ولما رهَّب النبي - ﷺ - من المسألة، قطع بعض الفقراء عهدًا على أنفسهم ألا يسألوا الناس شيئًا، ووفوا بعهدهم حتى توفاهم الله تعالى، منهم: حكيم ابن حزام الذي أبى أن يقبل الفيء من أبي بكر ثم عمر كذلك حتى توفاه الله تعالى (٢).
بل ويرغب النبي - ﷺ - في ترك السؤال بضمان الجنة لمن يفعل ذلك:
عن ثوبان أن رسول الله - ﷺ - قال: «من يكفل لي ألا يسأل الناس شيئا، وأتكفل له بالجنة»، فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل أحدًا شيئًا. أخرجه أبو داود.
وفي رواية النسائي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من يضمن لي بواحدة، وله الجنة؟ قال: وقال كلمة، ألا يسأل الناس شيئًا» (٣).
_________________
(١) ابن الأثير، المصدر السابق ص ١٥٣ رقم ٧٦٣٦.
(٢) راجع نص الحديث في اللؤلؤ والمرجان ج ١ ص ٢١٨ رقم ٦١٤ وابن الأثير في جامع الأصول ج ١٠ ص ١٤٨ وما بعدها رقم ٧٦٣١ وفي الموضوع أحاديث أخرى كثيرة.
(٣) ابن الأثير، جامع الأصول، ج ١٠ ص ١٤٧ رقم ٧٦٢٨ قال عبد القادر الأرناؤوط: وهو حديث صحيح. وفي الباب أحاديث كثيرة أخرى.
[ ٣٣ ]
فعدم سؤال الناس مع الحاجة يكون سببًا في ضمان دخول الجنة، وأي فوز وأي نعيم أفضل من هذا؟
روي أن معاذ بن جبل - ﵁ - قال: «ينادى يوم القيامة، أين بغضاء الله في أرضه؟! فيقوم سؤال المساجد» (١). فالمساجد دور للعبادة وسؤال ما عند الله، وليس من الأدب سؤال الناس وأنت في بيت الله، فتوجه بسؤالك إلى الله، وابذل الجهد في تحصيل عيشك.
ورد أن عمر بن الخطاب سمع سائلًا يسأل بعد المغرب، فقال لرجل من قومه: عشِّ الرجل فعشاه، ثم سمعه ثانيًا يسأل، فقال: ألم أقل لك: عشِّ الرجل؟ قال: عشيته، فنظر عمر فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزًا، فقال: لست سائلًا ولكنك تاجر، ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة، وضربه بالدرة، وقال: لا تعد ولولا أن سؤاله كان حرامًا ما ضربه عمر ولا أخذ مخلاته (٢).