ولقد كان أصحاب النبي - ﷺ - يسعون على أرزاقهم، ويسلكون طرق الكسب في غير كسل ولا تواكل، فكان منهم التجار البارعون، وهذه أسواق الجاهلية، تشهد بذلك: سوق عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، وبنو قينقاع، وحباشة ..
عن ابن عباس ﵄ قال: «كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج» رواه البخاري (٢).
وكانوا يتاجرون في البر والبحر تجارة داخلية وخارجية.
وهاتان رحلتا الشتاء والصيف تشهدان بذلك.
وكان من الصحابة ﵃ الصناع والزراع ومحترفو سائر الحرف والأعمال.
_________________
(١) محمد فؤاد عبد الباقي، اللؤلؤ والمرجان ج ٣ ص ٢٣٢ رقم ١٧٣٩.
(٢) صحيح البخاري بشرح فتح الباري ج ٣ ص ٥٩٣ - ٥٩٤ رقم ١٧٧٠ وج٨ ص ١٨٦ رقم ٤٥١٩.
[ ٧٠ ]
واشتهر الأنصار بأنهم أهل زرع وبساتين ونخيل.
كما اشتهر المهاجرون بأنهم أهل تجارة وصفق في الأسواق.
وكان النبي - ﷺ - يشجعهم على ذلك.
وهذه الأعمال جعلتهم أهل عفة وكرامة واكتفاء، وأصحاب فضل ونفع للآخرين.
وجعلتهم أيضًا في غنى عن الحرام، وفي وقاية من طرق الكسب غير المشروع كالربا والرشوة .. الخ.
وفي الحديث الآتي مثال لهمتهم العالية، وأخلاقهم النبيلة:
قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدثني إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: لما قدموا المدينة آخى رسول الله - ﷺ - بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع، قال عبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك، فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك؟ أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر صفرة، فقال النبي - ﷺ -: «مهيم؟ (١)» قال: تزوجت. قال: «كم سقت إليها؟» قال: نواة من ذهب- أو وزن نواة من ذهب- شك إبراهيم (٢). يعني راوي الحديث.
وقد مات عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - عن ثروة ضخمة من تجارته.
_________________
(١) مهيم: سؤال عن الحالة.
(٢) البخاري بشرح فتح الباري ج ٧ ص ١١٢ حديث رقم ٣٧٨٠.
[ ٧١ ]
وإعجاب المرء بإيثار سعد وسماحته لا يقل عن إعجابه بنبل عبد الرحمن الذي أبى إلا أن يتاجر، ويزاحم اليهود في أسواقهم، ويكتسب من عرقه ما يعف به نفسه، ويحصِّن به فرجه.
وهذا خباب بن الأرت كان حدادًا، وعبد الله بن مسعود كان راعيًا، وسعد بن أبي وقاص كان يصنع النبال، والزبير بن العوام كان خياطًا، وبلال بن رباح وعمار بن ياسر كانا خادمين، وسلمان الفارسي كان حلاقًا ومؤبرًا للنخل، وخبيرًا بفنون الحرب، والبراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا تاجرين (١).
ولقد عاب أعداء الإسلام على المسلمين أن الأساكفة كانوا من الأنصار (٢) مما يفيد حرصهم على اكتفائهم الذاتي في مجتمعهم، واحترامهم للعمل المشروع مهما كان شأن المهنة أو الحرفة التي تقيهم من الوقوع في الحرام وطرقه غير المشروعة.
_________________
(١) راجع الحافظ ابن حجز في فتح الباري ج ٤ ص ٢٩٧ رقم ٢٠٦١.
(٢) كما قال ابن قتيبة في المعارف.
[ ٧٢ ]