وكما أن العمل لا يتنافى مع العبادة فهو أيضًا لا يتنافى مع الاعتماد والتوكل على الله تعالى، إذ يطلب الإسلام من المسلم الأخذ بالأسباب، وبذل الجهد فيها لتحصيل رزقه المقسوم له، ثم يترك النتائج لرب العالمين.
ولعل من الآيات التالية ما يشير إلى هذا المعنى:
١ - ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣].
٢ - ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢].
٣ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
٤ - ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣].
وفي ضرب المثل بأخذ الطيور في الأسباب، عبرة للإنسان، في قوله - ﷺ - فيما يرويه ابن عمر ﵄: «لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا» (١).
_________________
(١) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم، وقال الترمذي: حسن صحيح. انظر ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم ص ٣٧٩ وعلي المتقي في كنز العمال ج ٣ ص ١٠٠ رقم ٥٦٨٤.
[ ٢٤ ]
فإذا كانت الطيور تسعى لتحصيل رزقها، ولا تبقى في أوكارها تنتظر الرزق، بل تذهب وهي جائعة في الصباح تلتمس أسباب الرزق، ثم تعود في المساء وقد امتلأت حواصلها وحصَّلت رزقها، وهكذا المسلم يجب عليه أن يبذل السبب ويجتهد في ذلك، وإن غُلِّقت الأبواب أمامه من جهات معينة طرق غيرها، وإن ضاقت عليه الأسباب في بلد سافر إلى غيره، وإن لم تكفه حرفته أو وظيفته تعلم حرفة أخرى، وقام بعمل آخر إلى جوار وظيفته، وهو في ذلك كله يتوكل على ربه ويعتمد عليه.
ويعلم أن رزقه معلوم ومقدر، ولكنه لا يعلم الغيب، ومأمور أن يبذل السبب ليأتيه رزقه، والسبب والمسبَّبُ مخلوقان لله تعالى، ومرتب أحدهما على الآخر، وترك الأخذ بالأسباب تواكل وتكاسل، وهناك فرق بين التوكل والتواكل.
«لما لقي عمر بن الخطاب - ﵁ - ناسًا من أهل اليمن، قال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبة في الأرض ويتوكل على الله» (١).
فالإسلام إذن لا يعرف التواكل، وتحصيل المعاش لا بد له من الأخذ بالأسباب، والتوكل قوة دافعة إلى ذلك.
ولا تعارض بين طلب المعاش، والعمل للمعاد، فكلاهما مطلوب بمقدار.