والاكتفاء بالحلال يعني أن يقنع المسلم بما رزقه الله تعالى من الطرق المشروعة، فيعف نفسه به، ولا يطلب ما سواه من الحرام.
_________________
(١) ابن رجب الحنبلي- جامع العلوم والحكم- ص ٣٨٤.
[ ٢٥ ]
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة وعفة في طعمة» (١).
ومعنى عفة في طعمة: أي أن يقنع المسلم ويكتفي ويعف نفسه بالحلال عن طلب الحرام.
ومن وصايا لقمان لابنه: «يا بني استغن بالكسب الحلال، فإنه ما افتقر أحد إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته، وأعظم من هذا الخصال استخفاف الناس به» (٢).
والعمل الصالح سبب للحياة الطيبة وهناء العيش والقناعة بالقليل.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].
جاء في تفسير المراد بالحياة الطيبة: أنها القناعة (٣).
والقناعة في الجانب المالي تعني الرضا والتسليم بما رزقه الله تعالى وقسمه للإنسان ولو كان قليلًا، وتعني اليأس عما في أيدي الناس، وعدم
_________________
(١) رواه الطبراني وإسناده حسن، راجع المنذري: الترغيب والترهيب ج ٤ ص ١٩ رقم ٢٥١٨. والهيثمي، مجمع الزوائد ج ١٠ ص ٢٩٥. وقال العلامة الألباني: وهذا سند صحيح، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، المجلد الثاني ص ٣٧٠، ٣٧١ رقم ٧٧٣.
(٢) الإمام الغزالي: إحياء علوم الدين ج ٢ ص ٦٢، وابن قدامة المقدسي، مختصر منهاج القاصدين ص ٧٨.
(٣) انظر الشيخ محمد السفاريني الحنبلي، غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب، دار الاتحاد العربي للطباعة بالقاهرة ١٩٧١ ج ٢ ص ٢٢٥. والإمام القشيري: أبا القاسم عبد الكريم بن هوازن، الرسالة القشيرية، دار الكتاب العربي ببيروت، لبنان، بدون تاريخ، ص ٧٤.
[ ٢٦ ]
التطلع إلى الحرام في قليل أو كثير. فإن من لم يرض بما قسمه الله تعالى له، وتطلع إلى الكثير فاته عز القناعة وتدنس لا محالة بالطمع، وجره هذا إلى مساوئ الخلاق وارتكاب المنكرات.
وإن الاكتفاء بالحلال بعد طلبه والقناعة به أحد أسباب ثلاثة هي مصدر السعادة والاستقرار في الدنيا.
عن عبد الله بن محصن - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (١).
وهي أيضًا سبب لتحقيق الفلاح في الدار الآخرة.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه» (٢).
وعن فضالة بن عبيد أن رسول الله - ﷺ - قال: «طوبى لمن هُدِيَ للإسلام وكان عيشه كفافًا وقنع» (٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي، ابن الأثير، جامع الأصول ج ١٠ ص ١٣٥ رقم ٧٦١٢، انظر تخريج الأرناؤوط فيه. وقد حسنه الترمذي كما قال عبد العزيز بن رباح وأحمد يوسف الدقاق في تحقيق وتخريج أحاديث رياض الصالحين للنووي. دار المأمون للتراث دمشق الطبعة الثانية ١٣٩٦ هـ ص ٢٤٣ رقم ٥٠٩.
(٢) أخرجه مسلم والترمذي، ابن الأثير، جامع الأصول ج ١٠ ص ٣٨ رقم ٧٦١٥.
(٣) أخرجه الترمذي وابن الأثير، المرجع السابق ج ١٠ ص ١٣٩ رقم ٧٦١٦. وقال الشيخ إسماعيل العجلوني في كشف الخفاء مزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: رواه الترمذي والحاكم، وقال الحاكم: على شرط مسلم، ج ٢ ص ٦٢ رقم ١٦٨١.
[ ٢٧ ]
ولهذا فقد كان من دعاء النبي - ﷺ -: «اللهم ارزق آل محمد قوتًا (١) أي كفافًا».
وفي القناعة والرضا والعفاف غني عما في أيدي الناس، وصيانة بها عن الحرام.
عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» (٢).
وقال سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: «يا بني إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة فإنها مال لا ينفد، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس مما في أيدي الناس، فإنك لا تيأس من شيء إلا أغناك الله عنه» (٣).
وسئل بشر بن الحارث عن القناعة فقال: «لو لم يكن فيها إلا التمتع بعز الغنى لكان ذلك يجزي» .. ثم قال: مروءة القناعة أشرف من مروءة البذل والعطاء (٤).