عبادة الخشوع في الصلاة، مرتبطة بعمل القلب إرتباطًا وثيقًا، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، وذلك لأن الخشوع يكون في القلب ويظهر أثره على الجوارح عند إقامة الصلاة.
يقول ابن رجب ﵀: " وأصل الخشوع هو: لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته فَإِذَا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء؛ لأنها تابعة له، كما قال -ﷺ-: "أَلَا إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ" (^١).
فَإِذَا خشع القلب خشع السمع والبصر والرأس والوجه، وسائر الأعضاء وما ينشأ منها حتى الكلام" (^٢).
وقد نقل الطبري عن الحسن البصري في معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، قال: "كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح" (^٣).
أي: جعلوا أبصارهم في موضع سجودهم، واستحضروا عظمة الوقوف بين يدي الله، فخفضوا الجناح له من هيبته وتعظيمه في قلوبهم.
ونقل ابن أبي شيبة في مصنفه عن مجاهد ﵀ قال: "كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود (^٤) من الخشوع"، قال مجاهد: وَحُدِّثْتُ أن أبا بكر كان كذلك (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ٢٠) ح (٥٢)، ومسلم (٣/ ١٢١٩) ح (١٥٩٩).
(٢) الذل والانكسار للعزيز الجبار (٢٩٠).
(٣) تفسير الطبري (١٧/ ٨).
(٤) أي كأنه عود ثابت لا يتحرك من شدة خشوعه، وذكر ابن عساكر في تاريخه: أن ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره كأنه قطعة من جدار من خشوعه -﵁-. ينظر: تاريخ دمشق (٢٨/ ١٧٠).
(٥) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ١٢٥) رقم (٧٢٤٥).
[ ٢٢ ]
وقال ابن كثير ﵀: "والخشوع في الصلاة إنما يحصل بمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين" (^١).
ولعمل القلب أثر عظيم على خشوع العبد في صلاته، وكما نعلم يقينًا أن القلب إذا صلح صلحت سائر الجوارح كما سبق في الحديث: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ»، وعلى هذا فلا سبيل للخشوع إلا بصلاح القلب، نسأل الله أن يصلح قلوبنا، ومن أكثر الأعمال القلبية أثرًا على الخشوع في الصلاة: الإخلاص، واليقين، والصبر، والمحبة، والخوف والرجاء؛ وذلك لأن الخشوع في الصلاة مرتبط بالقلب فلا سبيل إليه إلا بالإخلاص لله تعالى ومجاهدة النفس على ذلك، واليقين بما جاءت به نصوص الكتاب والسنة، والصبر على الاستمرار على حضور القلب في الصلاة واستحضار عظمة الموقف بين يدي الله في الصلاة، وهذه الأعمال القلبية لها أثر بيّن في حصول الخشوع في الصلاة، وهي تختلف في شدة تأثيرها على عبادة الخشوع، وعلى رأسها: محبة الله والخوف منه والخشية والرجاء، ودونك شيء من الخبر باختصار عن هذه الأعمال القلبية بصورة عامة، وفق المطالب الآتية:
المطلب الأول: الإخلاص.
المطلب الثاني: اليقين.
المطلب الثالث: الصبر.
المطلب الرابع: المحبة.
المطلب الخامس: الخوف والخشية.
المطلب السادس: الرجاء.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٦١ - ٤٦٢).
[ ٢٣ ]