فإذا أحب العبد ربه أحب لقاءه في كل وقت، وقدّر موقفه بين يديه في صلاته حق قدره، وأعد نفسه وهيئها لذلك الموقف العظيم.
ومن أعظم المواقف التي يقف فيها العبد بين يدي ربه في هذه الدنيا موقفه في الصلاة، ولذا فهو يحب ربه ويحب لقاءه، وهو أيضًا يهاب من أن ينصرف عنه في صلاته بوجهه وقلبه، فيزيد ذلك من خشوعه، فيقبل على الله في صلاته بقلبه ووجهه، ويجاهد نفسه في ذلك لينال تلك الجائزة العظيمة، ويفوز الفوز العظيم بجنة النعيم، يقول ﷺ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" (^١).
لأنه إذا أحب العبد ربه أحب لقاءه في صلاته، واستشعر عظمة الموقف بين يديه في أعظم مقام يقفه في هذه الحياة الدنيا وهو موقفه في الصلاة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «الصَّلَاةُ قُرْبَانٌ، إِنَّمَا مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَرَادَ مِنْ إِمَامٍ حَاجَةً فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، إِذَا قَامَ الرَّجُلُ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ فِي مَقَامٍ عَظِيمٍ، وَاقِفٌ فِيهِ عَلَى اللَّهِ يُنَاجِيهِ وَيَرْضَاهُ، قَائِمًا بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ، يَسْمَعُ لِقِيلِهِ، وَيَرَى عَمَلَهُ، وَيَعْلَمُ مَا يُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، فَلْيُقْبِلْ عَلَى اللَّهِ بِقَلْبِهِ وَجَسَدِهِ، ثُمَّ لِيَرْمِ بِبَصَرِهِ قَصْدَ وَجْهِهِ خَاشِعًا، أَوْ لِيَخْفِضْهُ فَهُوَ أَقَلُّ لِسَهْوِهِ، وَلَا يَلْتَفِتْ وَلَا يُحَرِّكْ شَيْئًا بِيَدِهِ وَلَا بِرِجْلَيْهِ، وَلَا شَيْءٍ مِنْ جَوَارِحِهِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلْيُبْشِرْ مَنْ فَعَلَ هَذَا، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» (^٢).
وعن مجاهد ﵀، قال في معنى قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]: "فمن القنوت الركود والخشوع، وغض البصر، وخفض الجناح من رهبة الله ﷿،
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٠٩) ح (٢٣٤).
(٢) تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (١/ ١٨٥).
[ ٤٨ ]
كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشذ بصره إلى شيء، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه من شأن الدنيا إلا ناسيًا، ما دام في صلاته " (^١).
ونقل شيخ الإسلام عن مجاهد قوله أيضًا في معنى الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]: "غض البصر وخفض الجناح، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشذ بصره، أو أن يحدّث نفسه بشيء من أمر الدنيا" (^٢).
ولأجل هذا يقبل العبد على الله بقلبه ووجهه، فيهاب أن ينصرف عن ربه وهو واقف بين يديه في صلاته، لأنه يعبد الله كأنه يراه أمامه بعين رأسه، فان لم يكن يراه بعينه في هذه الدنيا، لكنه على يقين تام أن الله يراه، فيحضر قلبه في هذا الموقف العظيم، ويزيد خشوع قلبه الذي يظهر أثره على جوارحه في عبادة الصلاة، وذلك لأن القلب قد امتلأ بمحبة الله والخوف منه وخشيته فهاب أن ينصرف بقلبه ووجهه عن ربه وقد التقى بمن يحبه ويجله ويقدره في هذا الموقف العظيم.