أولًا: ينبغي أن يستصحب المجاهدة لحضور القلب وفهمه لما يقوله المؤمن في صلاته، وعدم الغفلة عن ذلك مع الاستمرار وعدم الانقطاع:
ونتذكر أحاديث الحث على حضور القلب في الصلاة التي سبق ذكرها وأعيدها لأهمية التذكير بها، ويجاهد نفسه على تذكر هذه الأمور في سائر صلاته من أولها إلى آخرها، وإليك ما سبق ذكره من الأحاديث التي لا ينبغي أن تغيب عن ذهن المصلي، فإذا حصل شيء من
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٥٣٥) ح (٧٧١).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠/ ٦١) ح (١٢٦١١)، والنسائي (٣/ ٥٢) ح (١٣٠٠)، وصححه الألباني في تخريجه لسنن النسائي ح (١٣٠٠)، وقال محقق المسند (٢٠/ ٦١): "حديث صحيح، وهذا إسناد قوي".
(٣) أخرجه أحمد (٣١/ ٣١٠) ح (١٨٩٧٤)، وأبو داود (٢/ ٢٢٩) ح (٩٨٥)، وصححه الحاكم (١/ ٤٠٠) ح (٩٨٥) ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في تحقيقه لسنن أبي داود ح (٩٨٥)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن أبي داود (٢/ ٢٣٠) ح (٩٨٥): " إسناده صحيح".
[ ٩٣ ]
القصور أثناء صلاته وانصرف القلب بسبب طبيعة النفس البشرية، وسوسة الشيطان له، عاد سريعًا إلى التذكر والانتباه؛ لأنه في مجاهدة مع الشيطان الذي يريد يخرجه من صلاته بأقل المكاسب.
قال -ﷺ-: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ".
وقال -ﷺ-: «فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
وقال -ﷺ-: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ إِلَّا انْفَتَلَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ».
وقال -ﷺ-: «لَا يَزَالُ اللَّهُ ﷿ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ، وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ».
وقال -ﷺ-: "إنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يُنَاجِيهِ".
والتشهد دعاء وفي آخره موطن دعاء، فلا بد أن يتذكر العبد أهمية حضور القلب في دعائه، وكما سبق في الحديث يقول -ﷺ-: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ».
ثانيًا: أن يتدبر ويفهم ويفقه معنى التشهد، فيقوله بلسانه وقلبه يدرك معنى ما يقول.
وإليك ملخصًا لمعاني التشهد مع بيان أثر عمل القلب على ذلك:
١ - " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ " يقوله بلسانه متدبرًا بقلبه معاني ما يقوله:
- "التحيات لله": أي أنك بهذه التحيات تحيي الله وتعظمه تعظيمًا يليق بجلاله وعظمته، وتحضر قلبك وذهنك وتشعر بعظمة الموقف وأنت بين يديه -﷾- تناجيه وتوجه له هذه التحيات، وكم يفرح من الناس من إذا قابل عظيمًا من البشر فحياه وسلم عليه!
[ ٩٤ ]
- "والصلوات": لله خالصة وهو المستحق لها وحده لا شريك له، وذلك صلاة الفرض والنفل، ويدخل في ذلك الدعاء لأنه يقال للصلاة في اللغة دعاء.
- "والطيبات": لله وتشمل ما يتعلق بالله وما يتعلق بفعل العبد، فالله طيب في ذاته وصفاته وأفعاله وأقواله لا يقبل من العبد إلا الطيب من القول والفعل، كما في الحديث يقول رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ المؤمنون: ٥١، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ البقرة: ١٧٢، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ " (^١).
فالله طيب لا يليق به إلا الطيب من الأفعال والأقوال الصادرة من الخلق، فلا يرفع إلى الله من عمل العبد أو قوله إلا ما كان طيبًا قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فاطر: ١٠
واما ضد الطيب فهو الخبيث أو ما ليس بخبيث ولا طيب، وكل ذلك الله منزه عنه، لأنه سبحانه له الأوصاف العليا ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الروم: ٢٧، فلا يمكن أن يكون في أوصافه أو أفعاله أو أقواله ما ليس بطيب ولا خبيث، بل كل أفعاله وأقواله وصفاته كلها طيبة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٣) ح (١٠١٥).
[ ٩٥ ]
أما ما يصدر من الخلق؛ فمنه ما هو طيب، ومنه ما هو خبيث، ومنه ما ليس كذلك، والله لا يقبل إلا الطيب، وما ليس بطيب فهو إلى الأرض لا يصعد إلى السماء (^١).
٢ - " السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ":
والمؤمن في صلاته يوجه هذا السلام إلى الرسول -ﷺ- كأنه أمامه يستحضر بقلبه نبيه وحبيبه وقرة عينه -ﷺ-، وإن كان -ﷺ- ليس حاضرًا عنده بل هو في الحقيقة حاضر في قلبه، كما يقول ابن تيمية ﵀: " والمسلمون يقولون في صلاتهم: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " وليس هو حاضرًا عندهم ولكنه حاضر في قلوبهم" (^٢).
وملخص معناه: دعاء من المصلي لنبيه ﷺ أن يسلمه الله ويرحمه وينزل عليه بركاته.
وقال ابن رجب ﵀: "وفي تفسير (السلام على فلان) قولان:
أحدهما: أن المراد بالسلام اسم الله، يعني: فكأنه يقول: اسم الله عليك.
والثاني: أن المراد: سلّم الله عليك تسليمًا وسلامًا، ومن سلّم عليه الله فقد سلم من الآفات كلها ثم أقرهم أن يسلموا على النبي بخصوصه ابتداءً؛ فإنه أشرف المخلوقين وأفضلهم، وحقه على الأمة أوجب من سائر الخلق؛ لأن هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة كان بتعليمه وإرشاده ﷺ تسليمًا، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته" (^٣).
والمراد بالسلام: اسم الله -﷿- كما قال الله تعالى عن نفسه: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ الحشر: ٢٣، ومعنى سلام الله على الرسول، أي بالحفظ، والكلاءة، والعناية،
_________________
(١) ينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ١٤٨).
(٢) منهاج السنة النبوية (٣/ ٣٦٨).
(٣) فتح الباري لابن رجب (٧/ ٣٢٨).
[ ٩٦ ]
فكأننا نقول: الله عليك، أي: رقيب حافظ معتنٍ بك، حافظ لك من الآفات، وما أشبه ذلك.
وقيل: السلام بمعنى التسليم، أي: ندعو له بالسلامة والنجاة من كل آفة في الدنيا والآخرة، وهذا واضح في حال حياته -ﷺ-، لكن بعد مماته، كيف يناسب أن ندعو له بالسلامة؟ والجواب ليس الدعاء بالسلامة مقصورًا في حال الحياة، فهناك أهوال يوم القيامة؛ ولهذا كان دعاء الرسل أثناء عبور الناس الصراط: "اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ" (^١)، فالمرء لا ينتهي من المخاوف والآفات بمجرد موته.
وقد يكون السلام بمعنى أعم؛ وهو السلام على شرعه وسنته وسلامتها من أن تنالها أيدي العابثين (^٢).
ويتذكر بقلبه حين يقول في تشهده: " السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ " أمورًا، منها:
الأول: يتذكر فضله -ﷺ- العظيم عليه بعد فضل الله في دلالته له على طريق الجنة وتحذيره من طرق النار، فما من خير يسعدها في الدنيا والآخرة إلا وقد دل أمته عليه، ولا من شر يشقيها في الدنيا والآخرة إلا وحذرها منه، قال تعالى في وصفه وبيان حرصه -ﷺ- على أمته وشفقته ورحمته العظيمة بها: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٦٠) ح (٨٠٦)، ومسلم (١/ ١٦٣) ح (١٨٢).
(٢) ينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ١٥٠ - ١٥٣)، والخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة (٣١٤ - ٣١٥) مع بعض التصرف.
[ ٩٧ ]
وعن ابن مسعودٍ ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ليسَ مِنْ عمَلٍ يُقرِّبُ مِنَ الجنَّةِ إلا قد أمْرتُكم به، ولا مِنْ عَملٍ يقرِّبُ إلى النارِ إلا وقد نهْيتُكُم عنه .. " الحديث (^١).
الثاني: يتذكر بقلبه حديث النبي -ﷺ-: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» (^٢).
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» (^٣).
الثالث: فضل السلام عليه: -ﷺ-
امتثال قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب: ٥٦.
وفي الحديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ، فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ، فَقَالَ: " إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٥) ح (٢١٣٦)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٣١١) ح (١٧٠٠): "صحيح لغيره".
(٢) أخرجه أحمد (١٦/ ٤٧٧) ح (١٠٨١٥)، وأبو داود (٢/ ٢١٨) ح (٢٠٤١)، وقال في فتح الباري لابن حجر (٦/ ٤٨٨): " ورواته ثقات"، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٣) ح (١٦٦٦)، وقال محقق المسند: " إسناده حسن".
(٣) أخرجه أحمد (٦/ ١٨٣) ح (٣٦٦٦)، والنسائي (٣/ ٤٣) ح (١٢٨٢) وصححه الحاكم (٢/ ٤٥٦) ح (٣٥٧٦) ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٢) ح (١٦٦٤)، وقال محقق المسند: " إسناده صحيح على شرط مسلم".
[ ٩٨ ]
يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ، إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا " (^١).
٣ - " السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ "
فهو يطلب بهذا الدعاء السلامة من كل شر له ولجميع عباد الله الصالحين من الأنس والجن والملائكة وعلى رأس هؤلاء الرسل والأنبياء، فإذا قال ذلك أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض.
فهو يبدأ بنفسه بالدعاء ويثنّي بعباد الله الصالحين، وفي هذا دلالة على الارتباط بين المؤمن وإخوانه من عباد الله الصالحين في السماء والأرض، وهذا مما يزيد المؤمن ثباتًا على الحق، وهو يتذكر بقلبه أن معه على الحق من عباد لله الصالحين كثير لا يحصون من كثرتهم في السموات والأرض، فهو يدعو لنفسه ولهم، كما أنهم يدعون لأنفسهم وله.
والمراد بالعبد الصالح كما يقول أهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام: "قال الزجاج وغيره: الصالح: "القائم بحقوق الله وحقوق عباده" (^٢)، ولفظ الصالح خلاف الفاسد؛ فإذا أطلق فهو الذي أصلح جميع أمره، فلم يكن فيه شيء من الفساد، فاستوت سريرته وعلانيته، وأقواله وأعماله على ما يرضى ربه" (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٦/ ٢٨٠ - ٢٨١) ح (١٦٣٦١)، والنسائي (٣/ ٤٤) ح (١٢٨٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٧٥) ح (٧١) وحسنه فيه مرة أخرى (١/ ٤٣٨) ح (٢١٩٨)، وقال في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩١) ح (١٦٦١) عن رواية أحمد: "حسن صحيح"، وقال محقق المسند (٢٦/ ٢٨١): "حسن لغيره".
(٢) ذكره الزجاج في كتابه معاني القرآن وإعرابه (١/ ٤٠٧) بلفظ: " الصالح الذي يؤَدي إِلى اللَّه ما عليه، ويؤَدي إلى الناس حقوقهم".
(٣) الإيمان لابن تيمية (٥٠).
[ ٩٩ ]
٤ - " أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ":
ومعنى"أشهد أن لا إله إلا الله" أي: ينطق لساني ويقر قلبي، وأعلم يقينًا، أنه لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له، والشاهدة هي الخبر القاطع، فهي أبلغ من مجرد الخبر؛ لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة تكون عن قطع، كأنما يشاهد الإنسان بعينيه ما شهد به.
ومعنى «لا إله إلا الله»: أي: لا معبود حق إلا الله،
و«لا إله إلا الله» كلمة التوحيد التي بعث الله بها جميع الرسل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء: ٢٥ (^١)، فهي الكلمة التي أرسل الله بها رسله وأنزل بها كتبه، ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار، وفي شأنها تكون الشقاوة والسعادة، وبها تؤخذ الكتب باليمين أو الشمال، ويقل الميزان أو يخف، وبها النجاة من النار بعد الورود، وبعدم إلتزامها البقاء في النار، وبها أخذ الله الميثاق، وعليها الجزاء والمحاسبة، وعنها السؤال يوم التلاق، وهي أعظم نعمة أنعم الله -﷿- بها على عباده أن هداهم إليها، وهي كلمة الشهادة ومفتاح دار السعادة، وهي أصل الدين وأساسه ورأس أمره وساق شجرته وعمود فسطاطه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها، متشعبة منها، مكملات لها، مقيدة بالتزام معناها والعمل بمقتضاها، فهي العروة الوثقى، وهي الحسنى، وهي كلمة الحق، وهي كلمة التقوى، ولها فضائل كثيرة تجل عن الحصر، وقد ذكر العلامة حافظ حكمي طرفًا حسنًا منها مع أدلتها في كتابه معارج القبول (^٢).
_________________
(١) ينظر: الشرح الممتع لابن عثيمين (٣/ ١٥٦).
(٢) ينظر: معارج القبول (٢/ ٤١٠ - ٤١٤).
[ ١٠٠ ]
٥ - "وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"
ويشهد بلسانه مقرًا بقلبه وهو عالم بما يقوله بأن محمدًا -ﷺ- عبد الله ورسوله، فهو يشهد له بالعبودية لله تعالى وأنه مرسل من الله تعالى، وهذه الشهادة تقتضي أمورًا، منها:
١ - الإقرار بعبودية النبي -ﷺ- لربه، فهو عبد لله بشر من البشر ليس له شراكة مع الله، وتميز بما أعطاه الله من الوحي، وبما جبله الله عليه من العبادة، والأخلاق العظيمة، قال تعالى عنه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الكهف: ١١٠
وقال تعالى في الثناء على خُلُقِه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم: ٤
وأمره الله أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ الأنعام: ٥٠
وقال تعالى في آية أخرى عنه: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ الجن: ٢١ - ٢٢
٢ - محبته -ﷺ- محبة تفوق محبة النفس والوالد والولد والمال، وجميع الناس.
٣ - … طاعته فيما أمر.
٤ - تصدقيه فيما أخبر.
٥ - ألا يعبد الله إلا بما شرع.
٦ - الحذر من الوقوع في الغلو فيه -ﷺ- وذلك برفعه فوق منزلة العبودية والرسالة، وجعل شيء له من خصائص الله تعالى، ولهذا حذر الله من ذلك كما سبق، وحذر -ﷺ- أمته
[ ١٠١ ]
٧ - فقال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» (^١).
ثالثًا: أن يدرك معاني الصلاة الإبراهيمية:
"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ".
١ - ومعنى" اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ":
وهذا دعاء أن يصلي الله على رسوله محمد -ﷺ-، وصلاة الله على نبيه معناها: ثناء الله على رسوله في الملأ الأعلى (^٢).
"وعلى آل محمد": وهم قرابته الذين لا تحل لهم الصدقة (^٣)، ويدخل فيهم زوجاته ﵅ (^٤).
٢ - " كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ":
أي صلي على نبيك محمد وآله كما تفضلت بالصلاة على إبراهيم وآله.
٣ - " اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ":
وهذا دعاء بأن ينزل الله البركة على محمد وآله كما تفضل بها على إبراهيم وآله، والبركة: كثرة الخير والكرامة مع الثبات والاستمرار (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ١٦٧) ح (٣٤٤٥).
(٢) كما رواه البخاري (٦/ ١٢٠) عن أبي العالية معلقًا بصيغة الجزم ولفظه: " صَلَاةُ اللَّهِ: ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَلَائِكَةِ".
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ١٦٠).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٦١).
(٥) ينظر: شرح النووي على مسلم (٤/ ١٢٥)، الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ١٦٧).
[ ١٠٢ ]
٤ - " إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ":
" «حميد»: فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، فهو حامد ومحمود، حامد لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمود يُحمدُ ﷿ على ما له من صفات الكمال، وجزيل الإنعام.
وأما «المجيد»: فهي فعيل بمعنى فاعل، أي: ذو المجد. والمجدُ هو: العظمة وكمالُ السُّلطان" (^١).
رابعًا: يتذكر بقلبه حين يقول في تشهده: الصلاة الإبراهيمية أمورًا، منها:
الأول: امتثال قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب: ٥٦.
الثاني: فضل الصلاة على النبي -ﷺ-، قال -ﷺ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا» (^٢).
وفي الحديث الآخر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ، فَقُلْنَا: إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ، فَقَالَ: " إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ، إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا ".
وقال -ﷺ-: " .. وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي " (^٣) الحديث.
ويبلّغه -ﷺ- صلاة أمته عليه وسلامهم الملائكة المخصصون بذلك كما سبق في الحديث: قال -ﷺ-: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ»، فتذكر هذا بقلبك أيها المصلي في صلاتك أو خارجها حين تصلي وتسلم عليه -ﷺ-.
_________________
(١) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ١٦٨).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٣٠٦) ح (٤٠٨).
(٣) أخرجه أحمد (١٤/ ٤٠٣) ح (٨٨٠٤)، وأبو داود (٣/ ٣٨٥) ح (٢٠٤٢)، وصحح إسناده النووي في الأذكار (١١٥) ح (٣٣٣)، وصحح سنده ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٤٨٨)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٩٣) ح (١٦٦٥): "صحيح لغيره"، وقال محقق سنن أبي داود (٣/ ٣٨٥) ح (٢٠٤٢): "صحيح لغيره".
[ ١٠٣ ]
وللصلاة على النبي -ﷺ- فوائد عظيمة وثمرات مباركة ذكر منها الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه القيم أكثر من ثلاثين فائدة، ومن أراد التوسع فليرجع للكتاب المذكور.
خامسًا: أن يستحضر قلبه معاني الاستعاذة من هذه الأربع:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ "، ويدرك أهمية الاستعاذة منها وكبير خطرها، وهذه بعض التنبيهات حول هذا الدعاء العظيم الذي ينبغي أن يذكر بلسان وقلب حاضر في التشهد الأخير من كل صلاة:
١ - قرب الله من عبده الداعي، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ البقرة: ١٨٦
٢ - وقال -ﷺ-: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ».
٣ - أهمية هذا الدعاء وعظيم الحاجة إليه، فقد جمع الاستعاذة بالله من أعظم الفتن وأشدها خطرًا على العبد في الدنيا والآخرة.
٤ - ومعنى "فتنة المحيا والممات":
أي: اختبار المرء في دينه في حياته، وفي مماته، وأصل الفتنة: الامتحان والاختبار، وفتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها، والجهالات، أو الابتلاء مع زوال الصبر ونحو ذلك، وهي فتنة عظيمة وشديدة، وقلّ من يتخلَّص منها إلا من شاء الله، وهي تدور على شيئين: شبهات، وشهوات.
أما الشبهات فسببها الجهل فتعرض للإنسان يلتبس عليه الحق بالباطل، فيرى الباطل حقًا، والحق باطلًا، وإذا رأى الحق باطلًا تجنبه، وإذا رأى الباطل حقًا فعله، وهذه فتنة عظيمة؛ فما أكثر الذين يرون الربا حقًا فينتهكونه، وما أكثر
[ ١٠٤ ]
الذين يرون غش الناس في البيع والشراء شطارة وجودة، وما أكثر الذين يرون النظر إلى النساء تلذذًا وتمتعًا بالحرام.
وأما الشهوات فمنشؤها الهوَى، فإن الإنسان يعرف الحق لكن لا يريده فله هوى مخالف لما جاء به النبي -ﷺ-، فأنت تسأل الله العافية من أمراض القلوب التي هي أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات.
وأما فتنة الممات فيراد بها ما يكون عند الموت في آخر الحياة، وما يكون بعد الموت مباشرة من سؤال الملكين للميت في قبره عن ربه، ودينه، ونبيِّه، والإنسان عند موته ووداع العمل صائر إمَّا إلى سعادة، وإمَّا إلى شقاوة، ضعيف النفس، ضعيف الإرادة، ضيق الصدر، فيأتيه الشيطان ليغويه؛ لأن هذا وقت المغنم للشيطان، حتى أنه - كما قال أهل العلم - فقد يعرض الشيطان لبعض الناس الأديان اليهودية والنصرانية، نسأل الله العافية والسلامة (^١)، وقال شيخ الإسلام ﵀: "أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمرًا عامًا لكل أحد، ولا هو أيضًا منتفيًا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته؛ ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام.
وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا … ووقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم" (^٢).
٥ - وأما بقية الفتن، فمعناها واضح وخطرها بينّ عظيم شديد، وإن كان بعضها يندرج تحت فتنة المحيا والممات إلا أنها خصت بالاستعاذة (^٣)؛ لعظيم خطرها على العبد.
_________________
(١) ينظر: الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة (٣٢٥ - ٣٢٦)، الشرح الممتع (٣/ ١٨٥ - ١٨٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٥٥) مع تصرف يسير.
(٣) فتنة الدجال، وعذاب القبر.
[ ١٠٥ ]
سادسًا: أن يعي ويدرك بقلبه معاني الدعاء قبل السلام:
يدعو بلسان وقلب حاضر يعلم ما يقوله وآخر الصلاة موطن دعاء، وقد سبق من الكلام على هذه المسألة ما يغني عن إعادته.