قال -ﷺ-: «.. وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ».
والسجود ذل وخضوع لله في القلب يظهر أثره على الجوارح، " فيضع أشرف شيء فيه وهو وجهه على التراب خشوعًا لربه واستكانة وخضوعًا لعظمته وذلا لعزته قد انكسر له قلبه وذل له جسمه وخشعت له جوارحه" (^٢)، فحين يضع العبد وجهه على الأرض بين يدي ربه يذكره ويدعوه وهو قريب من القريب الذي قال عن نفسه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ البقرة: ١٨٦
وقَالَ -ﷺ-: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»، والسجود والدعاء من أعظم مواقف الذل والخضوع لله المؤدي إلى خشوع القلب الذي يظهر أثره على الجوارح.
وإذا قال العبد المؤمن في سجوده (سبحان ربي الأعلى) وكررها وقلبه حاضر وهو يدرك معنى ما يقول، وفرغ قلبه لله، وتذكر قربه من ربه في هذا الموقف، وشهد بعين قلبه علو الله على جميع خلقه، وهو أقرب ما يكون إلى عبده في موقف السجود، شعر بذله بين يدي الله وخضوعه له، فناسب في هذا الحال من خضوع العبد لربه في حال سجوده أن يكرر سبحان ربي الأعلى، ليغرس في قلبه مع كثرة التكرار الشعور بعلو الله تعالى على جميع مخلوقاته علو
_________________
(١) ينظر: صفة صلاة النبي ﷺ - الألباني (١٤٥ - ١٤٦).
(٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٣).
[ ٨٣ ]
الذات وعلو القدر والشأن وعلو القهر، كما قال تعالى عن نفسه في آيات كثيرة تثبت علو الله سبحانه، ومنها قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ الأعلى: ١
وقال تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ الليل: ٢٠
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ البقرة: ٢٥٥
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ الحج: ٦٢
وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ غافر: ١٢
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الأنعام: ١٨
وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ آل عمران: ٥٥
وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فاطر: ١٠
والآيات في إثبات علو الله أكثر من أن تحصر.
والأحاديث كثيرة جدًا منها حديث المعراج وفرضية الصلاة فوق السموات، وقد سبق.
وكذلك من الآثار العظيمة للدعاء في هذا الموقف العظيم في حال سجود العبد وقربه من ربه القريب ممن دعاه، وهو أقرب ما يكون منه في سجوده بين يدي ربه كما سبق، فإذا حضرت في القلب هذه المعاني العظيمة تعلق بالله وأظهر فقره لله وشدة حاجته إليه وألح على الله في دعائه وحاجته وانكسر القلب وذل بين يدي ربه وأقبل على الله بحضور قلب، فإن هذه المعاني القلبية من أعظم أسباب استجابة الدعاء؛ لأن غفلة القلب عن الله في الدعاء تجعله لا
[ ٨٤ ]
يقبله، وقال -ﷺ-: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (^١).