والطمأنينة في جميع أركان الصلاة من أهم العلامات الدالة على خشوع العبد لربه، وشعوره بأن الله يراه، فهو يستحي من ربه ولذلك يحرص على الطمأنينة في جميع صلاته، ولهذا جاءت نصوص السنة ببيان أهميتها وخطر التساهل فيها، ومن ذلك:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَرَدَّ النَّبِيُّ -ﷺ﵇، فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (^٢).
وأحب أن أنقل لكم الأحاديث التي وردت في كتاب صحيح الترغيب والترهيب للألباني (^٣) عن التحذير من عدم الطمأنينة في الركوع والسجود وحرصت على نقل أكثرها لأهميتها ولعظيم الحاجة لذلك (^٤)، تحت عنوان:
_________________
(١) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٥٨) ح (٧٩٣)، ومسلم (١/ ٢٩٨) ح (٣٩٧).
(٣) وأصل الكتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري رحمة الله على الجميع، وقد قمت بحذف التخريج وبعض الأحاديث اختصارًا، وأبقيت على حكم الشيخ على الحديث لأنه مقصود.
(٤) وهنا يحسن التنبيه أن التمعن في قراءة هذه الأحاديث والاطلاع عليها كاملة يجعل القاريء أو السامع يخرج بمعلومة كافية عن أهمية الطمأنينة في الصلاة.
[ ٨٧ ]
(الترهيب من عدم إتمام الركوع والسجود، إقامة الصُّلْب (^١) بينهما، وما جاء في الخشوع).
-[صحيح] عن أبي مسعودٍ البدريّ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تُجزئ صلاةُ الرجلِ حتى يُقِيمَ ظَهرَه في الركوعِ والسجودِ".
-[صحيح لغيره] وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أسوأُ الناسِ سرقةً الذي يَسرقُ من صلاتِه".
قالوا: يا رسول اللهِ! كيف يَسرقُ من صلاته؟ قال: "لا يتمُّ رُكوعَها ولا سجودهَا. أو قال: لا يقيمُ صُلبَه في الركوع والسجود".
-[صحيح] وعن علي بن شَيبان ﵁ قال: خرجنا حتى قَدِمنا على رسول الله -ﷺ-، فبايعناه، وصلَّينا خلفه، فَلَمَحَ بِمُؤَخّرِ عينه رجلًا لا يقيم صلاته يعني صُلبَه في الركوع، فلما قضى النبيُّ -ﷺ- صلاتَه قال: "يا معشرَ المسلمين! لا صلاةَ لمن لا يقيمُ صُلبَه في الركوعِ والسجود".
-[حسن صحيح] وعن طَلْق بن عليّ الحَنَفيّ ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا ينظر اللهُ إلى صلاة عبدٍ لا يُقيمُ فيها صُلبَه بين ركوعِها وسجودها".
-[حسن] وعن أبي عبد الله الأشعريّ: أنَّ رسول الله -ﷺ- رأى رجلًا لا يُتِمُّ ركوعَه، وَينْقُرُ في سجودِه، وهو يصلّي، فقال رسول الله -ﷺ-: "لو مات هذا على حاله هذه؛ مات على غيرِ مِلَّةِ محمدٍ ﷺ ".
ثم قال رسول الله -ﷺ-: "مثَل الذي لا يُتمُّ ركوعَه، ويَنْقرُ في سجودِهِ مثَلُ الجائع؛ يأْكُلُ التمرةَ والتمرتين؛ لا يُغنِيان عنه شيئًا".
_________________
(١) الصلب: الظهر العمود الفقري.
[ ٨٨ ]
قال أبو صالح: "قلت لأبي عبد الله: مَنْ حدَّثك بهذا عن رسول الله ﷺ؟ قال: أمراءُ الأجناد: عَمرُو بنُ العاصي، وخالدُ بنُ الوليد، وشُرَحْبيلُ بن حسَنة، سمعوه من رسول الله -ﷺ- ".
-[حسن] وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "إن الرجلَ ليصلِّي سِتينَ سنةً وما تُقبلُ له صلاةٌ، لعلّه يُتمَّ الركوعَ، ولا يُتمُّ السجودَ، ويُتمُّ السجودَ ولا يُتمَّ الركوع".
-[صحيح لغيره] عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا ينظر اللهُ إلى عبدٍ لا يُقيم صُلْبَهُ بين ركوعِه وسجودِه".
-[صحيح] وعن رفاعةَ بن رافعٍ ﵁ قال: كنتُ جالسًا عندَ رسولِ الله -ﷺ-، إذْ جاءهُ رجلٌ فدخل المسجدَ فصلّى. فذكر الحديث ثم يكبِّر ويركع، فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصلُه وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمدَه، ويستوي قائمًا حتى يأخذَ كلُّ عظمٍ مأْخذه، وُيقيمَ صُلبَه، ثم يكبِّر، فيسجدُ، وُيمكِّنُ جبهتَه من الأرضِ، حتى تطمئنَّ مفاصلُه وتسترخي، ثم يكبِّر فيرفع رأسَه، ويستوي قاعدًا على مَقْعدته، ويقيم صُلبه، فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ ثم قال: لا تتم صلاةُ أحدِكُم حتى يفعلَ ذلك" الحديث.
وقال في آخره: "فإذا فعلتَ ذلك؛ فقد تمّت صلاتُك، وإنِ انتقصتَ منها شيئًا؛ انتقصتَ من صلاتك".
-[حسن] وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: "إنَّ الرجلَ لينصرفُ وما كُتِبَ له إلا عُشرُ صلاتِه، تُسعُها، ثُمنها، سُبعها، سُدسها، خُمسها، رُبعها، ثُلْثها، نِصفها".
-[حسن صحيح] وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الصلاةُ ثلاثةُ أثلاثٍ، الطُّهورُ ثلثٌ، والركوع ثُلثٌ، والسجود ثلثٌ، فمَن أدّاها بحقِّها قُبلَتْ منه، وقُبل منه سائرُ عَمَلِه، ومَن رُدَّت عليه صلاتُه، رُدَّ عليه سائرُ عَمَلِه".
[ ٨٩ ]
-[صحيح لغيره] وعن حُرَيْثِ بنِ قَبِيصةَ قال: قَدِمتُ المدينةَ وقلت: اللهم ارزقني جليسًا صالحًا، قال: فجلست إلى أبي هريرة، فقلت: إني سألتُ اللهَ أن يرزقني جليسًا صالحًا، فحدِّثْني بحديثٍ سمعتَه من رسول الله -ﷺ-، لعل الله أن ينفعني به، فقال: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: "إنَّ أوَّل ما يحاسبُ به العبدُ يومَ القيامةِ من عملهِ صلاتُه، فإنْ صَلَحَتْ فقد أفلحَ وأنجحَ، وإن فسدتْ فقد خاب وخسر، وإنِ انتقصَ من فريضتِه قال الله تعالى: انظروا هل لعبدي من تطوعٍ يُكمَلُ به ما انتُقصَ من الفريضة؟ ثم يكون سائرُ عملِه على ذلك".
[حسن] رواه مسلم والنسائي، وابن خزيمة في "صحيحه"، ولفظه: قال: صلّى بنا رسول الله -ﷺ- الظهرَ، فلما سَلَّم، نادى رجلًا كان في آخرِ الصفوف، فقال: "يا فلان ألا تَتَّقي اللهَ! ألا تَنْظر كيف تُصلِّي؟ إنَّ أحدَكم إذا قام يصلِّي إنَّما يقوم يناجي رَبَّهُ، فلينظرْ كيف يناجيه، إنكم ترون أني لا أَراكم، إنّي واللهِ لأرى مِنْ خَلفِ ظهري، كما أرى مِنْ بين يديّ".
_[حسن صحيح] وعن أبي الدرداءِ ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "أولُ شيءٍ يُرفَع من هذه الأمةِ الخشوعُ، حتى لا ترى فيها خاشعًا".
-[صحيح] وعن مُطرَّفٍ عن أبيه ﵁ قال:
رأيتُ رسولَ الله -ﷺ- يصلِّي، وفي صدرِه أزيزٌ كأَزيزِ الرُّحى (^١)، من البكاءِ.
رواه أبو داود والنسائي، ولفظه:
رأيتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يُصلِّي ولجوفه أزيزٌ كأزيزِ المِرْجَلِ (^٢). يعني يبكي.
ورواه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" نحو رواية النسائي، إلا أنّ ابن خزيمة قال: "ولصدره".
_________________
(١) (أزيز الرحى) هو صوت الرحي عند الطحن.
(٢) (المرجل) هو القِدْر، يعني أنَّ لجوفه حنينًا كصوت غليان القدر.
[ ٩٠ ]
-[صحيح] وعن عليَّ ﵁ قال: ما كان فينا فارسٌ يومَ بدرِ غيرَ المِقدادِ، ولقد رأيتُنا وما فينا إلا نائمٌ، إلا رسولَ اللهِ -ﷺ- تحت شجرةٍ، يُصلي ويبكي، حتى أصبح.
-[صحيح] وعن عقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "ما من مسلم يتوضَّأُ فَيُسبغُ الوضوء، ثم يقومُ في صلاتِه، فيعلم ما يقول؛ إلا انْفَتَلَ وهو كيومَ ولَدَتْهُ أمُّه" (^١).