واستشعر بقلبه عظمة القرب من الله، لأن من أعظم مواقف القرب من الله في الدنيا، موقف العبد في الصلاة وبالأخص في السجود (^٣) قال تعالى:
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الله أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (^٤).
وإذا وقر في قلب العبد أنه في صلاته شديد القرب من الله، وفي سجوده أقرب ما يكون من ربه، فحينئذ يحضر القلب ويخشع، وتخشع الجوارح وتخضع، وإن العبد المحب الصادق في حبه لربه يسارع ويسابق إلى الصلاة أشد المسارعة والمسابقة، لأنه يلتذذ بقربه من ربه، ويأنس
_________________
(١) تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (١/ ١٨٨).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٨).
(٣) وسيأتي مزيد تفصيل لركن السجود.
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٣٥٠) ح (٤٨٢).
[ ٤٩ ]
به فتقر عينه به في صلاته، فيجد لذة الصلاة وحلاوتها، ويجد جنة معجلة قبل جنة الآخرة، يسنتشق فيها عبير القرب من الله، ويستمتع بلذة المناجاة، فالصلاة سلوة قلب المؤمن، وملاذ آمن ذو ظلال وارفة يؤي إليه، ليتقي هجير الحياة الدنيا، ويتفيء تلك الظلال الوارفة، يمتّع نفسه في تلك الحدائق الغناء بين آية تتلى وذكر يردد، فيجد المؤمن قرة عينه وراحة نفسه بين يدي ربه قائمًا راكعًا ساجدًا، ويزداد القرب من الله والتلذذ به أكثر وأكثر في أعظم لحظة للقرب من الله في سجود العبد بين يدي ربه، إنه موقف القرب من الله الذي تعجز العبارات عن التعبير عنه.