وإذا جاهد العبد نفسه في صلاته ليستحضر قلبه ما يتلوه من سورة الفاتحة ويعلم يقينًا أن الله يخاطبه كلما قرأ آية منها زاد خشوعه في صلاته، واستشعر عظمة خطاب الله له، فكيف يليق بالعبد أن ينصرف عن مناجاة ربه؟!
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلَاثًا غَيْرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي -وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي-، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» (^١).
وفوائد هذا الحديث المتعلقة بأمر الخشوع في الصلاة كثيرة نجمل أهمها في الآتي:
١ - الحذر من حجب الغفلة بسبب الذنوب التي تعمي القلوب، فتحرمها من لذة المناجاة، وإلى الله المشتكى، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
وحجب الذنوب دواؤها في كثرة الاستغفار الصادق والتوبة الصادقة، الذي يتواطؤ فيه القلب مع اللسان: مع ندم من الذنب، وإقلاع عنه، وعزم على عدم العودة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٩٦) ح (٣٩٥).
[ ٦٦ ]
وهنا حق لنا أن نسأل أنفسنا ونحن نتلوا سورة الفاتحة في كل ركعة من صلاتنا، فكم مرة يا عبد الله حضر قلبك فسمع خطاب الله له؟ وشعرت بعظمة الاصطفاء من ربك، وهو يخاطبك مع كل آية تقرؤها من سورة الفاتحة، فيقول لك: (حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي، فوض إلي عبدي، هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ..)!!!
هل ندرك عظمة هذا الخطاب الموجه لنا من ربنا -﷾- (عبدي .. عبدي .. عبدي ..)؟!
كم أنت محظوظ أيها المسلم المقبل على ربه في صلاته، وملك الملوك يصطفيك من بين خلقه؛ ليثني عليك بهذا الخطاب العظيم، ويدور بينك وبينه هذه المناجاة وهذا الحوار العظيم، لماذا غفلت القلوب عن هذا؟ لماذا نسيت هذا المقام العظيم، وهذا الاصطفاء الكبير من الله -ﷻ-؟
لولا الحجب الكثيفة على قلوبنا من الذنوب لطارت فرحًا وشوقًا للتلذذ بهذا الخطاب الرباني العظيم، ولشعر المؤمن بخشوع عجيب في صلاته وهو يتلذذ بذلك، ولشعر بعظمة المناجاة بينه وبين الله العظيم.
٢ - تكرار قراءة سورة الفاتحة في الصلاة وسماعها من الإمام في الصلاة الجهرية وقراءتها في كل ركعة من صلاة الفرض والنفل في كل يوم، وهذا التكرار يستلزم أن يكون له أثره على القلب في حضوره وتدبره لأعظم سورة في القرآن، وذلك يؤدي إلى شعور العبد بلذة قراءة الفاتحة ولذة المناجاة بها، وكلما أقبل قلب العبد على فهم معاني هذه السورة العظيمة، زاد خشوعه وإقباله بقلبه على ربه في صلاته.
٣ - وهذه بعض الفوائد العظيمة حول الدعاء الذي ورد في آخر سورة الفاتحة:
أ - إذا رسخ في قلب العبد أهمية هذا الدعاء وعظيم الحاجة إليه ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وأنه من أعظم الأدعية وأهمها على الإطلاق، حينها يقبل القلب عليه مستشعرًا لفقره وحاجته لربه في أن يحقق له مطلبه ويجيب دعوته، والتي متى ما أجيبت نال سعادة الدارين، ولتكرار هذه الدعوة في كل ركعة من الصلاة سر عظيم، اسأل الله ان يوفقني للإشارة إليه في الفقرة الآتية.
[ ٦٧ ]
ب - فينبغي على المسلم أن يشعر بعظمة هذا الدعاء الذي يردده في كل يوم فقط في الفرائض سبع عشرة مرة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وهذا يشعر بعظيم أهميتة في حياة المسلم؛ بل هو من أعظم ما يدعو به في نهاره وليلته؛ لأن هذا الدعاء يتضمن سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم، وكذلك سؤاله الثبات على الهداية إلى أن يلقى ربه، ويختم له بالحسنى.
والعبد المؤمن في هذه الدنيا على خطر عظيم، فالقلب كثير التقلب، وشياطين الأنس والجن متربصة به تنتظر زلته عن الصراط ليستثمروها، وفي المقابل نفس امّارة بالسوء، والصراط المستقيم على صعوبته، بجواره طرق مزينة مفروشة بالشهوات المحرمة المحببة للنفوس، فالخطر عظيم، وفتن الشبهات والشهوات تعرض على القلوب في كل وقت، فهنا يظهر أهمية وعظمة هذا الدعاء وجاجة الماسة إلى الدعاء به في كل ركعة، والله الموفق والمعين.
قال تعالى عن خطر الشياطين وتعاونهم على إضلال بني آدم: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ الأنعام: ١١٢ – ١١٣.
وذكر الله في كتابه دعاء المؤمنين الراسخين في العلم فقال -﷾-: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ آل عمران: ٨.
وهذا يدل على أن القلب كثير الزيغ إذا لم يثبته الله، وجاء إكثار النبي -ﷺ- من الدعاء بتثبيت القلوب على الدين؛ ليدل على كثرة تقلبها بسبب كثرة أمراضها، وهذا يجعل المؤمن مهتمًّا بالإكثار من هذا الدعاء متفهمًا لحاجته له؛ لخوفه على قلبه من التقلب، فعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ:
[ ٦٨ ]
يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟! قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (^١).
وقَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: لَا أَقُولُ فِي رَجُلٍ خَيْرًا وَلَا شَرًّا حَتَّى أَنْظُرَ مَا يُخْتَمُ لَهُ، يَعْنِي بَعَدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قِيلَ: وَمَا سَمِعْتَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ أَشَدُّ انْقِلَابًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اجْتَمَعَتْ غَلْيًا " (^٢).
وكل ما سبق يدل دلالة قوية على عظيم أهمية هذا الدعاء ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الذي نكرره في كل ركعة، ولكن حجب الذنوب الكثيفة على القلوب أفقدت القلب الشعور بحاجته الشديدة والماسة جدًا لتكرار هذا الدعاء في كل ركعة، وإلى الله المشتكى.
ت - وكذلك يحضر قلبه عند التأمين، فهو كلمة بمعنى: "اللهم استجب" أي: استجب هذا الدعاء، وليتذكر وهو يقول: "آمين" حديث النبي ﷺ: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٣).
ث - قال ابن كثير ﵀ في تفسيره عن هذا الدعاء العظيم: " ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله إلى ذلك؛ فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق" (^٤).
_________________
(١) مسند أحمد ط الرسالة (١٩/ ١٦٠) ح (١٢١٠٧)، سنن الترمذي (٤/ ٤٤٨) ح (٢١٤٠) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن"، سنن ابن ماجه (٢/ ١٢٦٠) ح (٣٨٣٤)، حكم الألباني بصحته في مشكاة المصابيح (١/ ٣٧) ح (١٠٢)، قال محقق المسند (١٩/ ١٦٠): "إسناده قوي على شرط مسلم".
(٢) أخرجه أحمد (٣٩/ ٢٣٩) ح (٢٣٨١٦)، والحاكم (٢/ ٣١٧) ح (٣١٤٢) وصححه ووافقه الذهبي، وقال محقق المسند (٣٩/ ٢٣٩): " حديث حسن"، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٣٧٤) ح (١٧٧٢).
(٣) صحيح البخاري (٨/ ٨٥) ح (٦٤٠٢)، وصحيح مسلم واللفظ له (١/ ٣٠٧) ح (٤١٠).
(٤) تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ١٣٩).
[ ٦٩ ]
ج - وقال السعدي ﵀: "فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك" (^١).
ح - ولهذا لا يحسن بالمسلم أن يغفل عن ذلك، بسبب تكرار هذا الدعاء، بل ينبغى أن يكون حاضر القلب، يجاهد نفسه على ذلك؛ ليتحقق أثر هذا الدعاء العظيم عليه ثباتًا على الحق إلى أن يلق الله، وصبرًا على ما يلقاه في طريقه إلى الله (^٢).
_________________
(١) تفسير السعدي (٣٩).
(٢) وأنقل هنا كلامًا مهمًا لابن رجب ﵀ في تعليقه على هذه الأحاديث التي سبق ذكرها في مسألة إثبات معية الله الخاصة لعبده في صلاته، كما قال بها السلف الصالح، وقد سبق نقل بعض كلامه، واعتذر من طول النقل لكنه مهم في بابه، فيقول ﵀: " وكأن مقصود النبي - ﷺ - بذكر هذا: أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وانه مناج له وانه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له. كما في «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-: «أن العبد إذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي» - وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها. فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه، وخشوعه له، وتأدبه في وقوفه بين يديه، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه، ولا يعبث وهو واقف بين يديه، ولا يبصق أمامه، فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يعبد الله كأنه يراه، كما فسر النبي -ﷺ- الإحسان بذلك في سؤال جبريل ﵇ له .. وخرج النسائي من حديث ابن عمر، قال: أخذ النبي - ﷺ - ببعض جسدي، فقال: " اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ" وقد كان ابن عمر قبل هذه الوصية وامتثلها، فكان يستحضر في جميع أعماله وعباداته قرب الله منه واطلاعه عليه. وكان عروة بن الزبير قد لقيه مرة في الطواف بالبيت فخطب إليه ابنته سودة، فسكت ابن عمر ولم يرد عليه شيئًا، ثم لقيه بعد ذلك بعدما تقدم المدينة، فاعتذر له عن سكوته عنه، بأنا كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا. وقد أخبر الله تعالى بقربه ممن دعاه، وإجابته له، فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] .. وقد خرج البخاري في «الدعوات» حديث أبي موسى، أنهم رفعوا أصواتهم بالتكبير، فقال لهم النبي - ﷺ -: "إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا". وفي رواية: «أنه أقرب إليكم من أعناق رواحلكم». ولم يكن أصحاب النبي -ﷺ- يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها، يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله، وإطلاعه على عباده وإحاطته بهم، وقربه من عابديه، وإجابته لدعائهم، فيزدادون به خشية لله وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة ومراقبة واستحياء، ويعبدونه كأنهم يرونه. ثم حدث بعدهم من قل ورعه، وساء فهمه وقصده، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره، وأراد أن يري الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان، كما يحكى ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة -﵃-. وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي -ﷺ- أمته منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه. وتعلقوا أيضًا بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال من قال من علماء السلف حينئذ: إنما أراد أنه معهم بعلمه، وقصدوا بذلك إبطال ما قاله أولئك، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن. وممن قال: أن هذه المعية بالعلم مقاتل بن حيان، وروي عنه أنه رواه عن عكرمة، عن ابن عباس. وقاله الضحاك، قال: الله فوق عرشه، وعلمه بكل مكان. وروي نحوه عن مالك وعبد العزيز الماجشون والثوري وأحمد وإسحاق وغيرهم من أئمة السلف. وروى الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن نافع، قال: قال مالك: الله في السماء، وعلمه بكل مكان. وروي هذا المعنى عن علي وابن مسعود أيضًا. وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قال: علمه بالناس. وحكى ابن عبد البر وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] أن المراد علمه. وكل هذا قصدوا به رد قول من قال: أنه تعالى بذاته في كل مكان … " أ. هـ. بطوله مع بعض الاختصار من شرح صحيح البخاري المسمى: فتح الباري لابن رجب (٣/ ١١٠ - ١١٤)، وتعليقه على هذه المسألة طويل، لكنه مهم فمن أراد أن يطلع عليه كاملًا فليرجع إلى المصدر المذكور.
[ ٧٠ ]