تعريفه:
من أدق تعاريفه تعريف الراغب ﵀ بقوله: "الصَّبْرُ: حبس النّفس على ما يقتضيه العقل والشرع" (^١).
والذي يظهر لي أن تعريف الراغب تعريف دقيق؛ لأنه يشمل كل أنواع الصبر، فيكون حبسًا للنفس على الطاعة وترك المعصية، وعلى القدر المؤلم، والله أعلم.
وقيل: هو: "حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش" (^٢). وهذا التعريف يصلح لنوع من الصبر وهو الصبر على القدر المؤلم (^٣).
ويقول ابن القيم ﵀ عن حقيقة الصبر وفائدته: "خلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها" (^٤).
من أدلة الكتاب والسنة على الصبر:
قال الإمام أحمد ﵀: "ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين موضعًا" (^٥).
وذكر ابن القيم أن الصبر مذكور في القرآن على ستة عشر نوعًا، وذكرها ﵀ مع ذكر شواهدها، وأذكر منها على سبيل المثال، الآتي (^٦):
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن (٤٧٤).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ١٥٥).
(٣) ينظر: أعمال القلوب للسبت (٢/ ٢١١، ٢١٢).
(٤) عدة الصابرين (١٦).
(٥) نقله ابن القيم عن الإمام أحمد في عدة الصابرين (٧١)، مدارج السالكين (٢/ ١٥١).
(٦) ينظر: مدارج السالكين (٢/ ١٥١ - ١٥٢).
[ ٣٣ ]
• الأمر به، نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
• النهي عن ضده، كقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، فإن تولية الأدبار: ترك للصبر والمصابرة.
• الثناء على أهله، كقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهو كثير في القرآن.
• محبته -﷾- لهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
• معيته -﷾- لهم، وهي معية خاصة، تتضمن: حفظهم ونصرهم، وتأييدهم كقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وهي ليست معية عامة، التي تتضمن: معية العلم والإحاطة.
• الجزاء منه -﷾- لهم بغير حساب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وورد الصبر في السنة في عدة أحاديث منها:
• عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» الحديث (^١).
قال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: "والمراد: أن الصبر محمود ولا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا" (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٠٣) ح (٢٢٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١).
[ ٣٤ ]
• وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-: إِنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (^١).
دل الحديث على فضيلة الصبر ومكانته العظيمة، ومن يعالج نفسه على الصبر ويعودها عليه، فإن الله يمكنه من نفسه حتى تنقاد له، وأن الصبر أفضل ما يعطاه المرء لكونه غيرَ محدودٍ جزاؤُه، فيوفيه الله أجره بغير حساب (^٢)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
من أقوال العلماء في الصبر:
قال عمر بن الخطاب -﵁-: "وجدنا خير عيشنا بالصبر" (^٣).
وقال علي بن أبي طالب -﵁-: "ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بار الجسم"، ثم رفع صوته فقال: "ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له"، وقال: "الصبر مطية لا تكبو (^٤) " (^٥).
وقال الحسن ﵀: "الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده" (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ١٢٢) ح (١٤٦٩)، ومسلم (٢/ ٧٢٩) ح (١٠٥٣).
(٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٠٤).
(٣) الزهد لأحمد بن حنبل (٩٧)، حلية الأولياء (١/ ٥٠).
(٤) أي: دابة لا تعثر ولا تسقط على الوجه أثناء الحركة. ينظر: الصحاح (٦/ ٢٤٧١)، مقاييس اللغة (٥/ ١٥٥)، لسان العرب (١٥/ ٢١٣) مادة (كبا).
(٥) ينظر: الصبر والثواب عليه لابن أبي الدنيا (٢٤)، حلية الأولياء (١/ ٧٦)، وهو بهذا اللفظ في عدة الصابرين (٩٥).
(٦) الصبر والثواب عليه لابن أبي الدنيا (٢٨).
[ ٣٥ ]
وقال ابن القيم ﵀: "وقد أمر الله -﷾- في كتابه بالصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه" (^١).
ويقول أيضًا: "وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله" (^٢).
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ١٥٩).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ١٥٥).
[ ٣٦ ]