إذا رسخ في قلب العبد معاني ما يذكره في صلاته من أذكار، وكان يقولها بقلب حاضر يدرك معاني ما يقول أثمر ذلك خشوعه في صلاته، وحصوله على هذا الثواب العظيم الذي جاء في الحديث يقول: -ﷺ- «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ (^١) الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ إِلَّا انْفَتَلَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ» (^٢).
فقوله ﷺ: " ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ " أي: أنه والله أعلم يجاهد نفسه في حضور عقله في صلاته حتى يعلم بقلبه معنى ما يقوله لسانه.
وإذا رسخ في قلب العبد اليقين بمعاني ما يذكره في صلاته من أذكار، وكان يقوله بقلب حاضر يدرك ويعلم معاني ما يقول، وجاهد نفسه على الاستمرار والصبر على حضور قلبه؛ ليعقل وليفهم ويعلم ما يقوله في صلاته، أثمر ذلك خشوعه في صلاته وحصوله على ذلك الأجر الثواب العظيم، ولنأخذ على ذلك مثلًا ذكر " الله أكبر"، وهو أكثر ذكر يقوله ويسمعه المؤمن فييومه وليلته، ويذكره في انتقاله بين أركان صلاته.
والسؤال المهم: ما أثر قولنا لهذا الذكر كثيرًا في صلاتنا على خشوع قلوبنا؟
كم مرة قلت في صلاتك الله أكبر وقلبك حاضر يدرك معنى ما تقوله؟!
ونحن نكرر الليل والنهار (الله أكبر، والله أكبر، الله أكبر) سؤال نسال به أنفسنا متى أحدثت هذا الذكر أثرًا في قلوبنا؟ فشعرنا بأن الله أكبر من كل شيء، فزادت خشيتنا له،
_________________
(١) وإسباغ الوضوء: إتمامه وإكماله بغسل العضو الذي يغسل ثلاثًا، وقال ابن عبد البر ﵀ في معنى الإسباغ: "الإكمال والإتمام من ذلك قول الله -﷿-: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ [لقمان: ٢٠]، يعني: أتمها عليكم وأكملها، وإسباغ الوضوء أن يأتي بالماء على كل عضو يلزمه غسله مع إمرار اليد، فإذا فعل ذلك مرة وأكمل فقد توضأ مرة". الاستذكار (٢/ ٣٠٢) لابن عبد البر.
(٢) أخرجه مسلم بنحوه (١/ ٥٧٠) ح (٨٣٢)، والحاكم واللفظ له (٢/ ٤٣٢) ح (٣٥٠٨)، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٩٥) ح (١٩٠).
[ ٦٣ ]
وزادت هيبتنا منه، وزادت عظمته في قلوبنا فقدّرناه حق قدره وعظّمناه حق التعظيم، وخشعت قلوبنا من هيبته وجلاله وعظمته، إنه الله -ﷻ- مالك الملك مدبر الأمر مصرف الكون، بيده ملكوت كل شيء، وهو على كل شيء قدير، هو وحده الذي يرزق ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، يمسك السموات فلا تقع على الأرض إلا بإذنه، يرفع السماء بغير عمد نراها، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ الزمر: ٦٧
﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ الحج: ٧٤
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء: ١٠٤
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ هود: ٦٦
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فاطر: ٢ - ٣
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فاطر: ٤١
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام: ١٨
[ ٦٤ ]
﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ غافر: ١٦
ومن أعظم أسباب الخشوع أن يعلم ما يقوله في صلاته، ولا يحصل هذا إلا بحضور القلب والفهم والتركيز على ما يقوله في صلاته، فيدرك ويعلم ما يقوله في صلاته من أذكار، فهو يقول عدة أذكار يلتزم بقولها في كل ركعة، ومنها:
أ - قول: (الله أكبر)، وهو أكثر ذكر يردده في صلاته ويسمعه من إمامه إذا كان ممن تجب عليهم صلاة الجماعة.
دعونا نردد هذه التسأولات:
هذا الذكر نردده في صلاة الفريضة أكثر (٩٠) مرة ونسمعه كذلك من الإمام.
ما أثر هذا الذكر علينا في قلوبنا؟! وهل نحن نعلم معنى ما نقول؟!
ب - نقول في الركوع (سبحان ربي العظيم) على الأقل ثلاث مرات في كل ركعة.
فنقوله في الفريضة (٥١) مرة فما أثره على قلوبنا؟ وهل ندرك معنى ما نقول؟!
ت - نقول في السجود (سبحان ربي الأعلى) على الأقل ثلاث مرات في كل سجدة.
فنقوله في الفريضة (١٠٢) مرة ويتكرر نفس السؤال!!!
ث - يقول الإمام والمنفرد حين الرفع من الركوع (سمع الله لمن حمده) في كل ركعة، ويقول الجميع الإمام والمنفرد والمأموم (ربنا ولك الحمد) فهل نعلم ما نقول؟!!
ج - نقول في كل صلاة في الركعة الثانية التحيات كاملة في الثنائية ونقولها في التشهد الأوسط في الثلاثية والرباعية، ونقولها كاملة في التشهد الأخير، فهل نعلم ما نقوله في صلاتنا؟
ح - ثم نختم الصلاة بقول (السلام عليكم ورحمة الله) على اليمين والشمال، فهل نعلم ما نقوله؟
خ - تكرار تلاوة سورة الفاتحة في كل ركعة وما يعقبها من سور وآيات، وهذا ما سيكون الحديث عنه فيما يأتي.
[ ٦٥ ]