التعريف:
عرفهما الراغب ﵀ بقوله: "الخَوْف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما أنّ الرّجاء والطمع توقّع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة، ويضادّ الخوف الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية" (^١). أما الخشية فقال عنها: "الخَشْيَة: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصّ العلماء بها في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] " (^٢).
وقال الجرجاني ﵀: "الخوف: توقع حلول مكروه، أو فوات محبوب" (^٣).
ويقول ابن القيم ﵀ عن معنى الخشية: "والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فهي خوف مقرون بمعرفة" (^٤).
_________________
(١) المفردات (٣٠٣).
(٢) المفردات (٢٨٣).
(٣) التعريفات (١٠١).
(٤) مدارج السالكين (١/ ٥٠٨).
[ ٤٠ ]
من أدلة الكتاب والسنة على الخوف والخشية:
تنوعت نصوص القرآن الكريم في ذكر الخوف والخشية، فمن ذلك:
١ - أمر الله به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]،، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤].
٢ - وتارة يجعل الله الخوف والخشية من صفات أوليائه وعباده المتقين، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢١].
٣ - ويذكر الله -﷾- أنه بسبب خوفهم منه أدخلهم الجنة كما في قوله تعالى: ﴿(٤٥) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وكما في قوله تعالى أيضًا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١].
٤ - وتارة يذكر أن العاقبة في الدنيا لهم كما في قوله -﷾-: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» وذكرهم، ومنهم: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا، قَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له (١/ ١٣٣) ح (٦٦٠)، ومسلم (٢/ ٧١٥) ح (١٠٣١).
[ ٤١ ]
ومن أعظم ما يحجز العبد عن المعصية خوفه من الله؛ لما يترتب على ذلك من العقوبة في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥].
من أقوال العلماء في الخوف والخشية:
عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه كان يمسك لسانه ويقول: "هذا الذي أوردني الموارد"، وقال: "يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل". وكذلك قال طلحة وأبو الدرداء وأبو ذر -﵃- (^١).
وقال عمر -﵁-: "لو نادى منادي من السماء: أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلًا واحدًا، لخفت أن أكون أنا هو" (^٢).
وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة -﵁-: رأيت عمر بن الخطاب أخذ تبنة من الأرض فقال: "يا ليتني هذه التبنة، ليتني لم أكن شيئًا، ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت نسيًا منسيًّا" (^٣).
وقال ابن عمر ﵄: "كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه، فقال لي: ضع رأسي، قال: فوضعته على الأرض، فقال: ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي" (^٤).
_________________
(١) ينظر هذه الآثار في: حلية الأولياء (١/ ٣٣، ٢/ ٢٣٦)، إحياء علوم الدين (٣/ ١١١)، مختصر منهاج القاصدين (٣١٣)، البداية والنهاية (١/ ٩٥).
(٢) حلية الأولياء (١/ ٥٣).
(٣) شرح السنة (١٤/ ٣٧٣)، وينظر أيضًا: سير أعلام النبلاء (الخلفاء الراشدون/ ٨٣).
(٤) حلية الأولياء (١/ ٥٢)، شرح السنة (١٤/ ٣٧٣).
[ ٤٢ ]
وقال المسور بن مخرمة -﵁-: لما طعن عمر قال: "لو أن لي طلاع الأرض (^١) ذهبًا، لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه" (^٢).
وبكى أبو هريرة -﵁- في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: "أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بُعدِ سفري وقلة زادي، وإني أمسيت في صعود على جنة أو نار، لا أدري إلى أيتهما يؤخذ بي" (^٣).
وقال عبد الله بن مسعود -﵁-: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه قال به هكذا فطار" (^٤).
وقال الحسن أيضًا: "لقد مضى بين أيديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى، لخشي أن لا ينجو من عظم ذلك اليوم" (^٥).
وقال أبو سليمان الداراني ﵀: "ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب" (^٦).
وقال ابن القيم ﵀: "والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله -﷿-، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط" (^٧).
قال أبو عثمان ﵀: "صِدقُ الخوف هو: الورع عن الآثام ظاهرًا وباطنًا" (^٨).
_________________
(١) قال الأصمعي: "طلاع الأرض: ملؤها". نقله عنه الجوهري في الصحاح (٣/ ١٢٥٤).
(٢) حلية الأولياء (١/ ٥٢)، شرح السنة (١٤/ ٣٧٣).
(٣) حلية الأولياء (١/ ٣٨٣)، شرح السنة (١٤/ ٣٧٣).
(٤) البخاري (٨/ ٦٨)، والترمذي واللفظ له (٤/ ٦٥٨).
(٥) شرح السنة (١٤/ ٣٧٤).
(٦) إحياء علوم الدين (٤/ ١٦٢)، مدارج السالكين (١/ ٥٠٩).
(٧) مدارج السالكين (١/ ٥١٠).
(٨) مدارج السالكين (١/ ٥١٠).
[ ٤٣ ]
ويقول ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله" (^١).
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٥١١).
[ ٤٤ ]