الغيبة هي كما فسرها النبي ﷺ ذكرك أخاك بما يكره في حال غيبته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (^٢).
وبوب الدرامي على الحديث الآتي "باب الصَّائِمِ يَغْتَابُ فَيَخْرِقُ صَوْمَهُ"، ثم أورد الحديث قال ﷺ: "وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا" (^٣)، وفسر الخرق بالغيبة (^٤).
قال في جامع العلوم والحكم: "وقوله: "مَا لَمْ يَخْرِقْهَا" يعني: بالكلام السيئ ونحوه، ولهذا في حديث أبي هريرة المخرج في " الصحيحين " عن النبي ﷺ: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يفسق، ولا يجهل، فإن امرؤ سابه فليقل: إني امرؤ صائم».
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (٤/ ١٠٤).
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠١) ح (٢٥٨٩).
(٣) أخرجه أحمد بلفظ أوسع من هذا (٣/ ٢٢٠) ح (١٦٩٠)، وأخرجه بهذا اللفظ المختصر الدارمي (١/ ٥٦٢) ح (١٧٥٥ (، والنسائي (٤/ ١٦٧) ح (٢٢٣٣)، وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٩٤) ح (١٦٤٣)، وحسن إسناده كذلك محقق المسند ح (١٦٩٠).
(٤) مسند الدارمي (١/ ٥٦٢).
[ ٨٣ ]
وقال بعض السلف: الغيبة تخرق الصيام، والاستغفار يرقعه، فمن استطاع منكم أن لا يأتي بصوم مخرق فليفعل.
وقال ابن المنكدر: الصائم إذا اغتاب خرق، وإذا استغفر رقع.
وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي هريرة مرفوعًا: «الصيام جنة ما لم يخرقها، قيل: بم يخرقه؟ قال: بكذب أو غيبة» (^١).
فالجنة: هي ما يستجن به العبد، كالمجن الذي يقيه عند القتال من الضرب، فكذلك الصيام يقي صاحبه من المعاصي في الدنيا، كما قال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: ١٨٣، فإذا كان له جنة من المعاصي، كان له في الآخرة جنة من النار، وإن لم يكن له جنة في الدنيا من المعاصي، لم يكن له جنة في الآخرة من النار" (^٢).
ومن شدة خطر الغيبة أن الله حذر منها في كتابه وشبهها بصورة تنفر منها النفوس، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ الحجرات: ١٢
وحسبك دلالة على خطر الغيبة ما ورد من الأحاديث الآتية:
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، -قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ: تَعْنِي قَصِيرَةً-، فَقَالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» الحديث (^٣).
_________________
(١) الحديث ضعيف جدًا. ينظر: ضعيف الترغيب والترهيب (١/ ٣٣٠) ح (٦٥٨).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٣٨ - ١٣٩).
(٣) أخرجه أبو داود واللفظ له (٤/ ٢٦٩) ح (٤٨٧٥)، والترمذي (٤/ ٦٦٠) ح (٢٥٠٢) ح (٢٥٠٣) وقال: "حسن صحيح"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٧٧) ح (٢٨٣٤)، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن أبي داود (٧/ ٢٣٧) ح (٤٨٧٥).
[ ٨٤ ]
قال النووي ﵀: "أي: خالطته مخالطة يتغيرُ بها طعمُه أو ريحُه لشدّة نتنها وقبحها. وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمها، وما أعلم شيئًا من الأحاديث يبلغُ في الذمّ لها هذا المبلغ" (^١).
وفي عون المعبود: "أي: لو خلط (بها) أي: على فرض تجسيدها وتقدير كونها مائعًا (البحر) أي: ماؤه (لمزجته) أي: غلبته وغيرته وأفسدته" (^٢).
وهذا يدل على عظم خطر الغيبة، وإذا كان مجرد الإشارة عن صفية بقصرها عدّها النبي -ﷺ- كلمة عظيمة، لو قدر مزج ماء البحر بها لغيرته على عظم البحر واتساعه، وصعوبة تغيره لشدة ملوحته، فكيف بما هو أشد من الإشارة؟!
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ» (^٣).
وكفى بهذه العقوبة رادعًا وزاجرًا عن هذا الذنب العظيم، لو تخيل المغتاب هذه العقوبة لفر هاربًا هائمًا على وجهه من هذه الخطيئة، أي ألم حسي ونفسي يشعر به هؤلاء المغتابون وهم يجرحون بأظفار من نحاس قوية شديدة الأثر تنغرس في أشرف ما فيهم وجوههم، وإذا الدماء والصراخ والعويل، ثم ينزلون بأظفارهم إلى صدورهم، فيخمشونها ويجرحونها، ثم تستمر العقوبة لا تتوقف عنهم، ومعها الآلام والحسرات، في مشهد تنخلع منه القلوب؟!
_________________
(١) الأذكار (٣٣٨).
(٢) عون المعبود وحاشية ابن القيم (١٣/ ١٥١).
(٣) أخرجه أحمد (٢١/ ٥٣) ح (١٣٣٤٠)، أبو داود (٤/ ٢٦٩) ح (٤٨٧٨)، ومعجم الطبراني الأوسط (١/ ٧) ح (٨)، وصحح إسناده الضياء في المختارة (٦/ ٢٦٥) ح (٢٢٨٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٧٩) ح (٢٨٣٩)، وصحح إسناده محقق المسند ح (١٣٣٤٠).
[ ٨٥ ]