صيام العين عن رؤية الحرام والأذن عن سماعه وبقية الجوارح عن مقارفة الحرام، مما يزيد في خشوع القلب ولذة عبادة الصيام لأن المعاصي لها أثرها على القلب، قال تعالى في بيان أن العبد مسؤول عن سمعه وبصره وفؤاده: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ الإسراء: ٣٦.
قال ابن الجوزي في تفسيره: "قال المفسرون: الإِشارة إِلى الجوارح المذكورة، يُسأل العبد يوم القيامة فيما إِذا استعملها، وفي هذا زجر عن النظر إِلى ما لا يَحِلُّ، والاستماع إِلى ما يحرم، والعزم على ما لا يجوز" (^١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ» (^٢).
وقال النووي ﵀: "معنى الحديث: أن بن آدم قدر عليه نصيب من الزنى، فمنهم من يكون زناه حقيقيًا بإدخال الفرج في الفرج الحرام، ومنهم من يكون زناه مجازًا بالنظر الحرام أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله، أو بالمس باليد بأن يمس أجنبية بيده أو يقبلها، أو بالمشي بالرجل إلى الزنا أو النظر أو اللمس أو الحديث الحرام مع أجنبية ونحو ذلك، أو بالفكر بالقلب فكل هذه انواع من الزنا المجازي والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه معناه أنه قد يحقق الزنا بالفرج وقد لا يحققه بأن لا يولج الفرج في الفرج وإن قارب ذلك، والله أعلم" (^٣).
_________________
(١) زاد المسير في علم التفسير (٣/ ٢٥).
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٤٧) ح (٢٦٥٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٢٠٦).
[ ٨٠ ]
وقال ابن مسعود ﵁: "العينان تزنيان بالنظر، والشفتان تزنيان وزناهما التقبيل، واليدان تزنيان وزناهما اللمس، والرجلان تزنيان وزناهما المشي" (^١)، وقيل: إنما سميت هذه الأشياء زنا لأنها دواعي إليه" (^٢).
وصيانة السمع والنظر وبقية الجوارح عن الحرام مطلوب من العبد في كل وقت، وهو آكد في رمضان.
قال ابن رسلان في شرحه على سنن أبي داود: " قال المتولي من أصحابنا: يجب على الصائم أن يصوم بعينه فلا ينظر إلى ما لا يحل له، وبسمعه فلا يسمع ما لا يحل له، وبلسانه فلا ينطق بفحش ولا يشتم ولا يكذب ولا يغتب، وهذِه الأشياء وإن حرمت مطلقًا فهي في رمضان أشد تحريمًا.
وقال الحليمي: ينبغي أن يصوم بجميع جوارحه: ببشرته، وبعينه، وبقلبه، وبلسانه، فلا يغتب، ولا يسب، ولا ينظر، ولا يخاصم، ولا يكذب، ولا يفني زمانه بإنشاد الأشعار ورواية الأسمار والمضحكات، والثناء على من لا يستحقه، والمدح والذم بغير حق، ونحو ذلك، وبيده فلا يمدها إلى باطل، وبرجله فلا يمشي بها إلى باطل، وبجميع قوى بدنه فلا يستعملها في باطل. انتهى" (^٣).