ولهذا يستطيع العبد أن يقصر عن الشر في رمضان لقلة نوازعه في هذا الشهر، وقد سبق الإشارة إلى ذلك، ومع ذلك تبقى بعض النفوس نوازع الشر فيها قوية تحتاج إلى مجاهدة أكثر وبذل الأسباب المعينة على ذلك، ومنها:
١ - شعوره في داخل نفسه بأن شهوات نفسه مسيطرة عليه، وهذا الإحساس يجعل العبد يبحث عن أسباب العلاج لأنه يشعر بالخطر من شر نفسه، أما حين يغفل عن شر نفسه، فإن الشيطان يجد مركبًا سهلًا، ويتسلط عليه، ويتمكن منه، ولهذا يقول لأهل النار كما ذكر الله في كتابه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إبراهيم: ٢٢.
وفي رمضان حين يسلسل الشيطان تبقى النفس الأمّارة بالسوء وشهواتها، تقوم بدور الشيطان في صد الانسان عن الخير، ولهذا هو بحاجة إلى مجاهدة نفسه لتقصر عن الشر في هذا الشهر، ويستمع لنداء الحق الذي ينادي كل ليلة: "يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ".
٢ - كثرة الدعاء والإلتجاء إلى الله والإلحاح عليه في يعينه على نفسه، ويقيه شرها، ويكثر من الأدعية المرتبطة بذلك، من مثل:
أ - دعاء في الصباح والمساء وعند النوم:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ، وَإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: " قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ
[ ٧٣ ]
نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ"، قَالَ: قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ " (^١).
ب - دعاء عام علمه النبي ﷺ لحصين ﵁ قبل أن يسلم وبعد أن أسلم: " قُلِ: اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي، وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشِدِ أَمْرِي " (^٢).
ت - من أدعية النبي -ﷺ-: " اللهُمَّ أَسْتَهْدِيكَ لِأَرْشَدِ أَمْرِي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي" (^٣).
ث - الحرص على البعد عن جلساء السوء الذين يعيقون عن الخير ولا يعينون عليه، قال -ﷺ-: " الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِطُ " وفي رواية: " مَنْ يُخَالِلُ" (^٤).
وللصحبة أثر لا ينكر على الشخص مهما كان حرصه على ألا يتأثر بالصحبة، ولذا يا أخي قرر قرارًا لن تندم عليه بترك صحبة الشر في رمضان وغيره، ولكن
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٣/ ٣٤١) ح (٧٩٦١)، وأبو داود (٤/ ٣١٦) ح (٥٠٦٧)، والترمذي (٥/ ٤٦٧) ح (٣٣٩٢)، وابن حبان (٣/ ٢٤٢) ح (٩٦٢)، والحاكم (١/ ٦٩١) ح (١٨٨٠) وصححه، وسكت عليه الذهبي، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦/ ٥٨٠) ح (٢٧٥٣)، وصحح إسناده محقق المسند ح (٧٩٦١).
(٢) أخرجه أحمد (٣٣/ ١٩٧) ح (١٩٩٩٢)، السنن الكبرى للنسائي (٩/ ٣٦٤) ح (١٠٧٦٤)، والمعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٢٣٨) ح (٥٩٩)، والحاكم (١/ ٦٩١) ح (١٨٨٠) وصححه وأقره الذهبي، وصحح إسناده ابن حجر في الإصابة عند ترجمته لحصين (٢/ ٧٦)، وقال في مجمع الزوائد (١٠/ ١٨١): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح"، وقال محقق المسند ح (١٩٩٩٢): "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٥١) ح (٢٩٣٩٤)، وأحمد (٢٦/ ١٩٩) ح (١٦٢٦٩)، والمعجم الكبير للطبراني (٩/ ٥٣) ح (٨٣٦٩)، وقال في مجمع الزوائد (١٠/ ١٧٧): "رواه أحمد، والطبراني إلا أنه قال: وامرأة من قريش، ورجالهما رجال الصحيح"، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (٢/ ٢٥٣) ح (٨٩٨)، وقال محقق المسند ح (١٦٢٦٩): "إسناده صحيح على شرط مسلم".
(٤) أخرجه أحمد (١٣/ ٣٩٨) ح (٨٠٢٨)، والحاكم (٤/ ١٨٩) ح (٧٣٢٠) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان (١٢/ ٤٤) ح (٨٩٩٠)، وقال محقق المسند ح (٨٠٢٨): "إسناده جيد".
[ ٧٤ ]
رمضان آكد، حتى تعين نفسك على القصور عن الشر في هذا الشهر العظيم، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
٣ - كثرة التوبة والاستغفار:
لا شك أن للذنوب والمعاصي أثرًا كبيرًا في إفساد القلب، وضررها عظيم عليه، "وأن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟! " (^١).
وهذا الداء الخطير على القلوب قد جعل الله له علاجًا، وهو الاستغفار والتوبة.
قال تعالى في بيان أثر الاستغفار: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
وقال -﷾- في بيان ثمرات الاستغفار والتوبة: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣].
وقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢].
والذي يظهر من أقوال المفسرين في زيادة القوة أنها قوة حسية ومعنوية، يجدون أثرها في حياتهم (^٢).
ولا شك أن الداعية بحاجة ماسة لهذه القوة التي يعينه الله بها على النجاح في دعوته.
_________________
(١) الجواب الكافي (١/ ٩٨).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ٤٤٥)، تفسير البغوي (٤/ ١٨٣)، تفسير ابن كثير (٤/ ٣٢٩)، فتح القدير للشوكاني (٢/ ٥٧٣)، تفسير السعدي (٣٨٣).
[ ٧٥ ]
وجاء الأمر بالتوبة فقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
وينظر الداعية إلى حال القدوة -ﷺ-، وهو الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا يبذل جهدًا عظيمًا في كثرة الاستغفار والتوبة، وذلك ما يجعل الداعية يسابق وينافس في هذا المضمار لينال ثمرة ذلك في حياته ودعوته.
يقول أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (^١).
ويَقُولُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ، وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ» (^٢).
ومن رحمة الله بعباده أن فتح لهم باب التوبة، فعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ اللهَ -﷿- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (^٣).
بل الأمر أعظم من ذلك، فالله يفرح بتوبة عبده فرحًا عظيمًا قرّبه النبي -ﷺ- بمثال؛ ليظهر منه عظيم فرحة الرب -﷾- بتوبة عبده.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/ ٦٧) ح (٦٣٠٧).
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٣٠/ ٢٢٦) ح (١٨٢٩٤)، والسنن الكبرى للنسائي (٩/ ١٦٨) ح (١٠٢٠٥)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٤٣٥) ح (١٤٥٢)، وقال محقق المسند شعيب الأرناؤوط (٣٠/ ٢٢٦) ح (١٨٢٩٤): "حديث صحيح".
(٣) أخرجه مسلم (٤/ ٢١١٣) ح (٢٧٥٩).
[ ٧٦ ]
يَقُولُ -ﷺ-: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ» (^١).
وحتى يحصل من التوبة والاستغفار أثرهما على صلاح القلب فا بد من مراعاة أمور، وهي:
١ - الندم على ما حصل من الذنب.
٢ - العزم على عدم العودة للذنب.
٣ - الإقلاع عن الذنب.
٤ - وإذا كان الذنب في حقوق الآدميين، فلا بد من إرجاعها لهم أو طلب السماح (^٢).
٥ - حضور القلب عند التوبة والاستغفار، فتكون التوبة والاستغفار باللسان والقلب، فيحدث أثر التوبة في القلب، وهذا الأثر يحدث -والله أعلم- مع كثرة الاستغفار والتوبة؛ لأنه مع التكرار يحضر القلب ويحدث الأثر فيه، ولذا جاءت النصوص بالإكثار من التوبة والاستغفار، كما سبق في الأحاديث من فعل النبي -ﷺ- وحثه لأمته.
٦ - البحث عن جلساء صالحين يعينونه على الخير، والاستمرار على التوبة، كما في حديث قاتل المائة، فقد حثه العالم على الذهاب إلى قرية الصالحين حتى يجد من يعينونه على توبته (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢١٠٣) ح (٢٧٤٤).
(٢) ينظر: رياض الصالحين (٣٣ - ٣٤).
(٣) وقد دل على هذا حديث أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ». أخرجه مسلم (٤/ ٢١١٨) ح (٢٧٦٦).
[ ٧٧ ]