دلت نصوص الكتاب والسنة على تحريم العجب، ومن ذلك:
قال تعالى في وصية لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
قال السعدي ﵀ في تفسيره لهذه الآية: " ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تُمِلْهُ وتعبس بوجهك للناس؛ تكبُّرًا عليهم وتعاظمًا. ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: بطرًا، فخرًا بالنعم، ناسيًا المنعم، معجبًا بنفسك. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ في نفسه وهيئته وتعاظمه، ﴿فَخُورٍ﴾ بقوله" (^٣).
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٥/ ٤٠٦).
(٢) التعريفات (١٤٧).
(٣) تفسير السعدي (٦٤٩).
[ ١١٦ ]
وعن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَوْ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ -ﷺ-: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ، تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (^١).
وقال -ﷺ- من حديث أنس -﵁-: «ثلاث مهلكات ..»، ثم قال -ﷺ-: «وأمّا المهلكاتُ: فَشُحٌّ مطاع، وهوًى متَّبع، إعجابُ المرءِ بنفِسِه".
وعَن أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَوْ لمْ تَكُونُوا تُذْنِبُونَ لَخَشِيتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ: الْعُجْبَ» (^٢).
وعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ -وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ- «إِنَّ فِيكُمْ قَوْمًا يَعْبُدُونَ وَيَدْأَبُونَ، حَتَّى يُعْجَبَ بِهِمُ النَّاسُ، وَتُعْجِبَهُمْ نُفُوسُهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (^٣).
ودلت هذه النصوص على أن العجب محرم ومن كبائر الذنوب، بل عده شيخ الإسلام ﵀ من الشرك، فقال: "وكثيرًا ما يقرن الناس بين الرياء والعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾،
_________________
(١) أخرجه البخاري واللفظ له (٧/ ١٤١) ح (٥٧٨٩)، ومسلم (٣/ ١٦٥٤) ح (٢٠٨٨).
(٢) أخرجه البزار في مسنده (١٣/ ٣٢٦) ح (٦٩٣٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ٣٩٩) ح (٦٨٦٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٩) ح (١٧٩٤٨): "رواه البزار، وإسناده جيد"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ٩٣٨) ح (٥٣٠٣).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٢٠/ ٢٤٣ - ٢٤٤) ح (١٢٨٨٦)، وأبو يعلى (٧/ ١١٦) ح (٤٠٦٦)، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها (٤/ ٥١٩) ح (١٨٩٥): "وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم"، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمسند أحمد (٢٠/ ٢٤٤) ح (١٢٨٨٦): "إسناده صحيح على شرط الشيخين"، وقال محقق مسند أبي يعلى (٧/ ١١٦) ح (٤٠٦٦): "إسناده صحيح".
[ ١١٧ ]
والمعجب لا يحقق قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فمن حقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ خرج عن الرياء، ومن حقق قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ خرج عن الإعجاب" (^١).
مما يدل على خطر العجب على الأمة، وأثره العظيم في حصول الهزيمة، ما ذكره الله في تعقيبه على غزوة حنين وهو يربي الأمة على الحذر من هذه المسالك، حينما حصل هزيمة في أول المعركة بسبب العجب بالكثرة وتعلق القلب بها، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، وكان من أسباب الخلل والهزيمة العجب الذي أدى إلى ركون القلب إلى الكثرة والاعتداد بها بأنهم لن يهزموا، وغفلوا عن أن النصر من الله، وليس بالكثرة ولا بالقوة المادية، فأصابهم الخذلان، ولم تغن عنهم الكثرة شيئًا، فحصلت الهزيمة والفرار في أول المعركة من هؤلاء، وثبّت الله نبيه -ﷺ- والمؤمنين معه، ونصرهم في نهاية المعركة، حيث قال -﷾-: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦].
من أقوال السلف في التحذير من العجب:
- قال علي بن أبي طالب -﵁-: "الإعجاب ضد الصواب، وآفة الألباب" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٧٧).
(٢) أدب الدين والدنيا (٢٣٧).
[ ١١٨ ]
- وعن كعب -﵁- أنه قال لرجل رآه يتبع الأحاديث: "اتق الله، وارض بالدون من المجلس، ولا تؤذ أحدًا، فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب ما زادك الله به إلا سفالًا ونقصانًا" (^١).
- وقال أبو الدرداء -﵁-: "علامة الجهل ثلاث: العجب، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه، وأن ينهى عن شيء ويأتيه" (^٢).
- وعن مسروق ﵀ قال: "كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعمله" (^٣).
- وقال أبو وهب المروزي ﵀: "سألت ابن المبارك: ما الكبر؟ قال: أن، تزدري الناس. فسألته عن العجب، قال: أن ترى أن عندك شيئا ليس عند غيرك، لا أعلم في المصلين شيئًا شرًّا من العجب" (^٤).
- وعن خالد بن يزيد بن معاوية ﵀ قال: "إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا بنفسه، فقد تمت خسارته" (^٥).
- وكان يحيى بن معاذ ﵀ يقول: "إياكم والعجب؛ فإن العجب مهلكة لأهله، وإن العجب ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" (^٦).
وقيل لعبد الله بن المبارك: ما الذنب الذي لا يغفر؟ قال: "العجب" (^٧).
_________________
(١) حلية الأولياء (٥/ ٣٧٦).
(٢) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٥٦٩).
(٣) جامع بيان العلم وفضله (١/ ٥٦٩).
(٤) سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٠٧).
(٥) مساوئ الأخلاق (٢٦٣).
(٦) شعب الإيمان (٩/ ٣٩٥).
(٧) شعب الإيمان (٩/ ٣٩٦).
[ ١١٩ ]
ويقصد ابن المبارك ﵀ أن العجب من الكبائر التي لا تغفر إلا بالتوبة.