• الرياء من الشرك الأصغر، وهو أيضًا من الشرك الخفي؛ ولذا كان خطره عظيمًا، وشره مستطيرًا، فلا بد من الحذر منه، والانتباه له ولعظيم ضرره.
ومن الأدلة على ذلك:
_________________
(١) أخرجه أحمد (١١/ ٤٣٠) ح (٦٨٣٩)، وقال في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٢) ح (١٧٦٦٠): "رجال أحمد، وأحد أسانيد الطبراني في الكبير رجال الصحيح"، وقال محقق المسند (١١/ ٤٣٠) ح (٦٨٣٩): "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(٢) أخرجه أحمد في المسند (١١/ ٥٦٦) ح (٦٩٨٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١١٧) ح (٢٥)، وقال محقق المسند (١١/ ٥٦٦) ح (٦٩٨٦): "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(٣) أخرجه البزار في مسنده (١٣/ ١١٤) ح (٦٤٩١)، والطبراني في المعجم الأوسط (٥/ ٣٢٨) ح (٥٤٥٢)، وحسنه المنذري بمجموع طرقه في الترغيب والترهيب (١/ ١٧٤) ح (٦٥٤)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٣١٢) ح (٤٥٣): "حسن لغيره".
(٤) من العجب والرياء والسمعة وهي آفات قلبية مترابطة بينها تداخل ولهذا آثرت الحديث عنها مع بعضها.
[ ١٠٥ ]
أ - قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
ب - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
ت - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨].
والآيات تدل على عظيم خطر الرياء وأن من تلبس به وأنه من الشرك، ومن صفات المنافقين، وصاحبه الشيطان قرين له فساء قرينًا.
ث - قال سفيان الثوري ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]: "ويل لأهل الرياء! ويل لأهل الرياء! هذه آيتهم وقصتهم" (^١).
ج - وقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» (^٢).
• وذكر الخطابي رحمة الله في معني الحديث: أن من عمل عملًا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جزاه الله على ذلك بأن يشهره ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه (^٣).
• وأضاف ابن حجر إلى ما ذكره الخطابي، فقال: "وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله، فإن الله يجعله حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم،
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٥/ ٢٦٥).
(٢) أخرجه البخاري واللفظ له عن جندب -﵁- (٨/ ١٠٤) ح (٦٤٩٩)، ومسلم عن ابن عباس ﵄ (٤/ ٢٢٨٩) ح (٢٩٨٦).
(٣) ينظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي (٣/ ٢٢٥٧).
[ ١٠٦ ]
• ولا ثواب له في الآخرة ومعنى «يرائي»: يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه" (^١).
ح - وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ؛ إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!» (^٢).
خ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^٣).
• وذكر الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله في شرحه على التوحيد أن الرياء على درجتين:
الأولى: رياء المنافقين؛ بأن يظهر الإسلام ويبطن الكفر؛ لأجل رؤية الخلق، وهذا مناف للتوحيد من أصله وكفر أكبر بالله، وقد وصف المنافقين بقوله: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، فقوله تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ الرياء الأكبر الذي هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر.
الثانية: وهو أن يرائي المسلم بعمله أو ببعض عمله، فهذا شرك خفي ينافي كمال التوحيد (^٤).
صور من الرياء عند من ابتلي به (^٥):
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٣٣٦).
(٢) أخرجه أحمد (٣٩/ ٤٣ - ٤٤) ح (٢٣٦٣٦)، وجوّد إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٣٤) ح (٥٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٢) ح (٣٧٥): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٢٠) ح (٣٢)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند (٣٩/ ٤٤) ح (٢٣٦٣٦): "إسناده حسن".
(٣) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٨٩) ح (٢٩٨٥).
(٤) ينظر: التمهيد (٣٩٦).
(٥) ينظر: إحياء علوم الدين (٣/ ٢٩٧)، نضرة النعيم (١٠/ ٤٥٥٣)، الإخلاص حقيقته ونواقضه (٣٣٦ - ٣٣٩).
[ ١٠٧ ]