١ - دفع كيد الشيطان الذي يسعى لإشغال المسلم في صلاته حتى يفقد حضور قلبه في عبادته، فيذهب منه الخشوع، وهذه بعض الوسائل المعينة على دفع كيد الشيطان:
الاستعاذة منه في موطنين:
الأول: خارج الصلاة؛ وذلك بقول الأذكار والأوراد المشروعة لدفع كيده، ومنها:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ، يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ» (^٣).
والذكر عمومًا من أقوى الحروز من كيد الشيطان (^٤).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٥/ ٤٦١ - ٤٦٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٨).
(٣) أخرجه البخاري واللفظ له (٤/ ١٢٦) ح (٣٢٩٣)، ومسلم (٤/ ٢٠٧١) ح (٢٦٩١).
(٤) وفي الحديث في سنن الترمذي ت شاكر (٥/ ١٤٩) وصححه الألباني: "وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ ".
[ ٤٦ ]
ذكر الخروج من المنزل:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ قَالَ -يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ-: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ» (^١).
ذكر دخول المسجد:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» … قَالَ: «فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ» (^٢).
الثاني: الاستعاذة منه في داخل الصلاة في موضعين:
أولًا: قبل قراءة الفاتحة في الصلاة، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
ثانيًا: إذا أتاه الشيطان في صلاته يستعيذ بالله ويتفل عن يساره ثلاثًا:
عن عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي، وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا»، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤/ ٣٢٥) ح (٥٠٩٥)، وأخرجه الترمذي واللفظ له (٥/ ٤٩٠) (٣٤٢٦)، وقال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٦٥) (١٦٠٥)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن أبي داود (٧/ ٤٢٥) ح (٥٠٩٥): "حديث حسن بشواهده".
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ١٢٧) ح (٤٦٦)، وقال النووي في الأذكار (٨٥) ح (٧٠): "حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد جيد"، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٦٥) ح (١٦٠٦).
(٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٢٨) ح (٢٢٠٣).
[ ٤٧ ]
٢ - ويشعر بعظمة الموقف بين يدي الله في الصلاة، وأن الله مطلع عليه يعلم ما في قلبه، ويسمعه ويراه:
ويحدث هذا المعنى العظيم إذا استشعر القلب معاني الأسماء والصفات، وبالأخص أسماء الله وصفاته: العليم السميع البصير، وحصل في قلبه بأن الله مطلع عليه، لا تخفى منه خافية، يعلم ما في قلبه، ويستحضر في موقفه في صلاته سمع الله له وبصره، فيقف بين يديه وكأنه يرى الله أمامه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١].
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤].
وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨].
وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١].
[ ٤٨ ]
وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
وما ورد في هذا المعنى من الآيات كثير في كتاب الله، فحين يستحضر المصلي معاني هذه الآيات، فإنه يشعر بعظمة الموقف بين يدي ربه -﷾- العالم بسره ونجواه، والمطلع على ما تخفيه الصدور، والذي أحاط علمًا بكل شيء، الذي يسمعه ويراه، فحضور هذه المعاني العظيمة يحدث في القلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها بوجهه وقلبه، فيخرج إلى الصلاة وهو يستحضر في قلبه هذه المعاني، ويجاهد نفسه على هذا، حتى وهو يمشي إلى الصلاة لا بد أن يلتزم أدب المشي إلى الصلاة، الذي سأشير إليه في الفقرة التالية، وذلك لأنه في مشيه إلى الصلاة فهو في صلاة كما ورد في الحديث يقول -ﷺ-: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» الحديث (^١).
٣ - المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار:
عن أَبَي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (^٢). وفي الرواية الأخرى يقول المصطفى -ﷺ-: «وَلَكِنْ لِيَمْشِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ» الحديث (^٣).
وفي معنى السَّكِينَة وَالْوَقَار قال النووي ﵀: "قيل: هما بمعنى (^٤)، وجمع بينهما تأكيدًا، والظاهر أن بينهما فرقًا، وأن السكينة التأني في الحركات، واجتناب العبث، ونحو ذلك، والوقار في الهيئة، وغض البصر، وخفض الصوت، والإقبال على طريقه بغير التفات، ونحو ذلك والله أعلم" (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٤٢١) ح (٦٠٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٧) ح (٩٠٨)، ومسلم (١/ ٤٢٠) ح (٦٠٢).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ٤٢١) ح (٦٠٢).
(٤) أي: بمعنى واحد.
(٥) شرح النووي على مسلم (٥/ ١٠٠).
[ ٤٩ ]
وفي هذا والله أعلم تنبيه على الشعور بعظمة الموقف بين يدي الله، وان العبد في طريقه إلى الصلاة يهييء نفسه في مشيه إلى الصلاة، فهو في صلاة من حين خروجه لدخول بيت الله وللوقوف بين يديه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» (^١).
٤ - وكان السلف يعظمون أمر الأذان لأنه يذكرهم بعظمة الموقف بين يدي الله يوم القيامة:
"وقد روى ابن أبي الدنيا في "كتاب الرقة والبكاء" بإسناده، عن يحيى البكاء، عن الحسن، قال: إذا اذن المؤذن لم تبق دابة بر ولا بحر الا اصغت واستعمت. قال: ثم بكى الحسن بكاء شديدًا.
وبإسناده، عن أبي عمران الجوني، انه كان إذا سمع الاذان تغير لونه، وفاضت عيناه.
وعن أبي بكر النهشلي نحو - أيضًا -، وانه سئل عن ذلك، فقال: اشبهه بالصريخ يوم العرض، ثم غشى عليه.
وحكى مثل ذلك من غيره من الصالحين - أيضًا.
وعن الفضيل بن عياض، أنه كان في المسجد، فأذن المؤذن، فبكى حتى بل الحصى، ثم قال: شبهته بالنداء، ثم بكى" (^٢).
٥ - وكانوا أيضًا يشعرون بعظمة الموقف بين يدي الله في صلاتهم:
كان علي بن الحسين الملقب بزين العابدين إذا توضأ يصفر لونه، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الخوف، فقيل له في ذلك فقال: ألا تدرون بين يدي من أريد أن أقوم ولمن أناجي؟ (^٣).
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٤٢١) ح (٦٠٢).
(٢) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٠١).
(٣) ينظر: البداية والنهاية (١٢/ ٤٨٢).
[ ٥٠ ]
و"كَانَ عَطَاءٌ السَّلِيمِيُّ إذا فرغ من وضوئه انتفض وارتعد وبكى بكاء شديدًا، فيقال له في ذلك فيقول: إني أريد أن أقدم على أمر عظيم أريد أن أقوم بين يدي الله ﷿" (^١).
٦ - التبكير إلى الصلاة والمسارعة إلى ذلك:
من أسباب تفريغ القلب في الصلاة من مشاغل الدنيا التبكير إلى الصلاة، وذلك حينما يبكر العبد إلى صلاته، فيتمكن من إقبال قلبه على صلاته، وصفاء القلب من شواغل الدنيا، والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة بين الأذان والإقامة، كل ذلك مما يعين على الخشوع وحضور القلب، ولهذا جاء الحث على التبكير فقال -ﷺ-: «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ» (^٢).
قال النووي ﵀: "التهجير التبكير إلى الصلاة، أي صلاة كانت" (^٣).
قال ابن رجب ﵀: "وقد ندب النبي -ﷺ- إلى التهجير إلى الصلاة، وهو القصد إلى المساجد في الهجير، إما قبل الأذان أو بعده .. وقد كان كثير من السلف يأتي المسجد قبل الأذان، منهم: سعيد بن المسيب، وكان الإمام أحمد يفعله في صلاة الفجر .. وقال بعض السلف في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠]: إنهم أول الناس خروجًا إلى المسجد، وإلى الجهاد" (^٤).
٧ - من أسباب تفريغ القلب لله في الصلاة أن يقطع كل ما يشغله في صلاته من الأمور الآتيه:
الأول: من طعام تتعلق به النفس وتشتهيه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ» (^٥).
_________________
(١) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٦/ ٢١٨).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٢٦) ح (٦١٥)، ومسلم (١/ ٣٢٥) ح (٤٣٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٥٨).
(٤) فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٥٢)، وينظر: تفسير ابن جرير (٢٢/ ٢٩٠).
(٥) صحيح مسلم (١/ ٣٩٢) ح (٥٥٩).
[ ٥١ ]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ، فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ المَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ» (^١).
وكَانَ ابْنُ عُمَرَ: «يَبْدَأُ بِالعَشَاءِ» وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ» (^٢).
الثاني: ألا يأتي الصلاة وهو يشعر بأحتقان البول أو الغائط في بطنه، بل يقضي حاجته أولًا حتى يتفرغ قلبه لصلاته، ويقول ﷺ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (^٣).
والأخبثان: هما البول والغائط.
وقال النووي: " في هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله؛ لما فيه من اشتغال القلب به وذهاب كمال الخشوع، وكراهتها مع مدافعة الأخبثين وهما البول والغائط، ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع " (^٤).
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ، أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا وَمَعَهُ النَّاسُ، وَهُوَ يَؤُمُّهُمْ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَقَامَ الصَّلَاةَ، صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ قَالَ: لِيَتَقَدَّمْ أَحَدُكُمْ وَذَهَبَ إِلَى الْخَلَاءِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَذْهَبَ الْخَلَاءَ وَقَامَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ» (^٥).
ثانيًا: وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ، فَجَاءَتْ نَوْبَتِي فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (^٦).
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ١٣٥) ح (٦٧٢).
(٢) صحيح البخاري (١/ ١٣٥).
(٣) صحيح مسلم (١/ ٣٩٣) ح (٥٦٠).
(٤) شرح مسلم (٥/ ٤٦).
(٥) سنن أبي داود (١/ ٢٢) ح (٨٨)، وصححه الألباني في تحقيقه لسنن أبي داود، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن أبي داود (١/ ٦٥): " إسناده صحيح".
(٦) أخرجه مسلم (١/ ٢٠٩) ح (٢٣٤).
[ ٥٢ ]
قال النووي: "وقد جمع ﷺ بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع لأن الخضوع في الأعضاء والخشوع بالقلب" (^١).