قال الإمام أحمد ﵀: "ذكر الله سبحانه الصبر في القرآن في تسعين موضعًا" (^٥).
وذكر ابن القيم أن الصبر مذكور في القرآن على ستة عشر نوعًا، وذكرها ﵀ مع ذكر شواهدها، وأذكر منها على سبيل المثال، الآتي (^٦):
• الأمر به، نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن (٤٧٤).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ١٥٥).
(٣) ينظر: أعمال القلوب للسبت (٢/ ٢١١، ٢١٢).
(٤) عدة الصابرين (١٦).
(٥) نقله ابن القيم عن الإمام أحمد في عدة الصابرين (٧١)، مدارج السالكين (٢/ ١٥١).
(٦) ينظر: مدارج السالكين (٢/ ١٥١ - ١٥٢).
[ ٢٥ ]
• النهي عن ضده، كقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، فإن تولية الأدبار: ترك للصبر والمصابرة.
• الثناء على أهله، كقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهو كثير في القرآن.
• محبته -﷾- لهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
• معيته -﷾- لهم، وهي معية خاصة، تتضمن: حفظهم ونصرهم، وتأييدهم كقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وهي ليست معية عامة، التي تتضمن: معية العلم والإحاطة.
• الجزاء منه -﷾- لهم بغير حساب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وورد الصبر في السنة في عدة أحاديث منها:
• عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» الحديث (^١).
قال النووي ﵀ في شرحه لهذا الحديث: "والمراد: أن الصبر محمود ولا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا" (^٢).
• وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁-: إِنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ،
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٠٣) ح (٢٢٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٠١).
[ ٢٦ ]
• وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (^١).
دل الحديث على فضيلة الصبر ومكانته العظيمة، ومن يعالج نفسه على الصبر ويعودها عليه، فإن الله يمكنه من نفسه حتى تنقاد له، وأن الصبر أفضل ما يعطاه المرء لكونه غيرَ محدودٍ جزاؤُه، فيوفيه الله أجره بغير حساب (^٢)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].