وفي هذا الحديث إشارة مهمة إلى أمرين:
الأول: مجاهدة النفس على ما يحصل لها من أمور يستغلها الشيطان، وهي حديث النفس بأمور الدنيا التي يشغله بها الشيطان في صلاته.
الثاني: أن العبد يستطيع أن يتغلب على حديث نفسه بأمور الدنيا في صلاته بحضور القلب، والشعور بعظمة الموقف بين يدي الله، والدعاء الذي يلح فيه على ربه أن يقطع عنه هذه الوساوس النفسية التي يستثمرها الشيطان، ومن جاهد نفسه وجد لذة الصلاة والراحة فيها، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ونختم بذكر فائدة تتعلق بما سبق من الأحاديث ذكرها ابن رجب، فيقول ﵀: "وكأن مقصود النبي -ﷺ- بذكر هذا: أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وأنه مناج له، وأنه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له، كما في صحيح مسلم عن أبي
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٥/ ٢٢٤).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٤٤) ح (١٦٤)، ومسلم (١/ ٢٠٤) ح (٢٢٦).
[ ٥٩ ]
هريرة، عن النبي -ﷺ-: «فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي» وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها.
فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه، وخشوعه له، وتأدبه في وقوفه بين يديه، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه، ولا يعبث وهو واقف بين يديه، ولا يبصق أمامه، فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يعبد الله كأنه يراه" (^١).
_________________
(١) فتح الباري لابن رجب (٣/ ١١٠ - ١١١).
[ ٦٠ ]