١ - الحذر من حجب الغفلة بسبب الذنوب التي تعمي القلوب، فتحرمها من لذة المناجاة، وإلى الله المشتكى، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ الحج: ٤٦]، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
كم مرة يا عبد الله حضر قلبك فسمع خطاب الله له، وشعرت بعظمة الاصطفاء من ربك، وهو يخاطبك مع كل آية تقرؤها من سورة الفاتحة فيقول لك: (حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي، فوض إلي عبدي، هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ..)
٢ - قراءة سورة الفاتحة في الصلاة وسماعها من الإمام في الصلاة الجهرية وقراءتها في كل ركعة من الصلوات الفرائض والنوافل في كل يوم، هذا يستلزم أن يكون لهذا التكرار أثره على القلب في حضوره وتدبره لأعظم سورة في القرآن، وذلك يؤدي إلى شعور العبد بلذة قراءة الفاتحة، وكلما أقبل قلب العبد على فهم معاني هذه السورة العظيمة، زاد خشوعه وإقباله بقلبه على ربه في صلاته.
٣ - ومن الفوائد العظيمة حول الدعاء الذي ورد في آخر سورة الفاتحة:
أ - إذا رسخ في قلب العبد أهمية وعظمة هذا الدعاء ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وأنه من أعظم الأدعية وأهمها على الإطلاق، حينها يقبل القلب عليه مستشعرًا لفقره
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٩٦) ح (٣٩٥).
[ ٥٦ ]
ب - وحاجته لربه في أن يحقق له مطلبه ويجيب دعوته، والتي متى ما أجيبت نال سعادة الدارين، ولتكرار هذه الدعوة في كل ركعة من الصلاة سر عظيم، اسأل الله ان يوفقني للإشارة إليه في الفقرة الآتية.
ت - فينبغي على المسلم أن يشعر بعظمة هذا الدعاء الذي يردده في كل يوم فقط في الفرائض سبع عشرة مرة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وهذا يشعر بعظيم أهميتة في حياة المسلم؛ بل هو من أعظم ما يدعو به في نهاره وليلته؛ لأن هذا الدعاء يتضمن سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم، وكذلك سؤاله الثبات على الهداية إلى أن يلقى ربه، ويختم له بالحسنى، وهو في هذه الدنيا على خطر عظيم، فالقلب يتقلب، وشياطين الأنس والجن متربصة به تنتظر زلته عن الصراط ليستثمروها، وفي المقابل نفس امّارة بالسوء، والصراط المستقيم على صعوبته، بجواره طرق مزينة مفروشة بالشهوات المحرمة المحببة للنفوس، فالخطر عظيم، فهنا يظهر أهمية وعظمة هذا الدعاء في كل ركعة، والله الموفق والمعين.
ث - وكذلك يحضر قلبه عند التأمين، فهو كلمة بمعنى: "اللهم استجب" أي: استجب هذا الدعاء، وليتذكر وهو يقول: "آمين" حديث النبي ﷺ: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^١).
ج - قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: " ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله إلى ذلك؛ فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق" (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاري (٨/ ٨٥) ح (٦٤٠٢)، وصحيح مسلم واللفظ له (١/ ٣٠٧) ح (٤١٠).
(٢) تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ١٣٩).
[ ٥٧ ]
ح - وقال السعدي ﵀: "فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك" (^١).
خ - ولهذا لا يحسن بالمسلم أن يغفل عن ذلك، بسبب تكرار هذا الدعاء، بل ينبغى أن يكون حاضر القلب، يجاهد نفسه على ذلك؛ ليتحقق أثر هذا الدعاء العظيم عليه ثباتًا على الحق إلى أن يلق الله، وصبرًا على ما يلقاه في طريقه إلى الله.