وثمة أسباب مهمة، لو التزم بها المُبتلى لساعدت في تعجيل معافاته بإذن الله تعالى؛ منها:
١- الحرص التام على تأدية العبادات في أوقاتها، ومن أهمها الصلاة في جماعة، وبخاصة صلاة الفجر؛ لقوله ﷺ: مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ (٢٠)، وقوله ﵊: مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ (٢١) .
٢- أن يشرع ابتداءً برَقْي نفسه؛ فإن رقية المرء لنفسه هي أَوْلى من رقية سواه، ذلك أن الرقية هي من جنس الدعاء، ودعاء المرء لنفسه - بتحقيق تمام
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه مسلم، كتاب: المساجد، باب: فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، برقم (٦٥٧)، عن جُنْدَبَ بن عبد الله القَسْرِيِّ ﵁.
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم، بالتخريج السابق، برقم (٦٥٦)، عن عثمان بن عفان ﵁.
[ ٢٥ ]
التوكل - هو أرجى للقبول من دعاء غيره له، بخاصةٍ في زمنٍ عزَّ فيه الرقاة المخلصون!
٣- إن لم يتمكن من رقية نفسه لاشتداد وطأة المرض عليه، أو رقى نفسه ثمَّ رغب في الاستزادة برقية غيره له، فليحرص كل الحرص على الاسترقاء لدى رقاة مخلصين ممن حَسُنت عقيدتهم، وشاع بين الناس صلاحُهم وحُسْنُ ذِكْرِهم، وليحذرْ كلَّ الحذر من الانسياق خلف السحرة والمشعوذين؛ فهذا مما عُلمت بالضرورة حرمتُه، كما ليحذر المؤمن من التسهُّل في التداوي بمحرَّمٍ، فإن الله تعالى لمَّا شرع التداوي لعباده، لم يجعل
[ ٢٦ ]
سبحانه شفاءهم فيما حرمه عليهم؛ كما قال ﷺ: إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِي حَرَامٍ (٢٢) .
٤- أن تصدر الرقية المشروعة عمَّن حَسُنت سريرته، واستقامت طريقته، وقد طهَّر نفسه عن الحرام، واستيقن بأن الشفاء من الله وحده، وأنه سبحانه هو الشافي المعافي؛ ذلك أن الرقية - كما سبق - هي من جنس الدعاء، فإذا قرأ الراقي على نفسه أو على غيره كان لا بد من اعتقاده عند الرَّقْي حصولَ الشفاء من الله يقينًا لا على سبيل التجربة، فلو رقى الراقي مجرِّبًا نفعَ الرقيةِ فإنه يكون بذلك قد فوَّت على نفسه النفع المرجوَّ بها.
_________________
(١) أخرجه ابن حِبّان، برقم (١٣٩١)، عن أم سلمة ﵂.
[ ٢٧ ]
٥- أن يدعو دعاء المُضْطرِّ المِلْحاح؛ اقتداءً بالنبي ﷺ (٢٣)، مُتَيَقِّنًا الاستجابة، كما وعد سبحانه بقوله: [النَّمل: ٦٢] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ *﴾ . كما ينبغي للراقي تلمُّس ساعات الإجابة؛ ومنها: الثلث الأخير من الليل (٢٤)، والساعة الأخيرة من يوم الجمعة (٢٥) (قُبَيل المغرب)، وكذلك في السجود (٢٦)، وغير ذلك من الأوقات والأحوال الفاضلة.
٦- الحرص على طِيب المَطْعَم؛ لقول النبي ﷺ: أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ (٢٧)، وقوله ﷺ:
_________________
(١) قالت السيدة عائشة ﵂: (حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ، أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا ) . أخرجه البخاري؛ كتاب: الدعوات، باب: تكرير الدعاء، برقم (٦٣٩١)، ومسلم - بلفظه - كتاب: السلام، باب: السحر، برقم (٢١٨٩) .
(٢) لقول النبي ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِيْنَ يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآْخِرِ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» . متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: التهجُّد، باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل، برقم (١١٤٥)، ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرها، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، برقم (٧٥٨) .
(٣) لقول النبي ﷺ: «فِيهِ - أي: يوم الجمعة - سَاعَةٌ لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»، متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁؛ أخرجه البخاري، كتاب: الجمعة، باب: الساعة التي في يوم الجمعة، برقم (٩٣٥) . ومسلم، كتاب: الجمعة، باب: في الساعة التي في يوم الجمعة، برقم (٨٥٢) . أما تعيين الساعة المخصوصة بآخر ساعة من بعد العصر، فهذا أرجح الأقوال في ذلك، وهو قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث. انظر: زاد المعاد لابن القيم، (١/١٣١) .
(٤) لقول الله تعالى: [العَلق: ١٩] ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ *﴾ . ولقول النبي ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»، أخرجه مسلم، كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، برقم (٤٨٢)، عن أبي هريرة ﵁.
(٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/٢٥٥)، برقم (٦٤٩١)، ويشهد له الحديث الذي يليه، وهو عند مسلم.
[ ٢٨ ]
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟! (٢٨) .
٧- الحرص على تلاوة سورة البقرة في البيت، فهي - ولا ريب - حصن حصين ورقية عظيمة لأهل ذلك البيت، لقول النبي ﷺ: اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ (٢٩) .
ومن عظيم بركة هذه السورة ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيِّب وتربيتها، برقم (١٠١٥)، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرها، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، برقم (٨٠٤)، عن أبي أُمامة الباهليِّ ﵁. والمراد بالبَطَلة: السَّحَرة؛ على ما بيَّنَه معاويةُ بن سلام (أحد رجال إسناد هذا الحديث) .
[ ٢٩ ]
الْبَقَرَةِ (٣٠) . ويمكن أن يقرأها المريض بنفسه، أو أن تُقرأ عليه، كما أنها لو كرِّرت تلاوتها تامة بجهاز تسجيل كل يوم أو كل ليلة، كان ذلك - بإذن الله - سببًا عظيمًا لمعافاة أهل ذلك البيت من أذى الشياطين، كما أفتاني بذلك فضيلة الشيخ العلاَّمة ابنُ جبرين حفظه الله (٣١) .
٨- الحرص على كثرة ذكر الله ﷿، والمداومة على قراءة القرآن، وملازمة الاستغفار، والتحصُّن بالأذكار المشروعة، وقد أوردتُ جملةً منها في الملحق الثاني من هذا الكتاب.
٩- الحرص على شرب الماء الطَّهور المقروء عليه، والاغتسال به،
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: استحباب صلاة النافلة، برقم (٧٨٠)، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) ونص استفتاء فضيلة الشيخ ابن جبرين كما يلي: س: أنقل لفضيلتكم حالَ أسرةٍ ابتليت بالمسِّ وإيذاء الشياطين، وقد نصحهم أحد المشايخ بأن يداوموا على قراءة سورة البقرة بأنفسهم، وأن يجعلوها كذلك على جهاز تسجيل يعمل في البيت بشكل متواصل طوال اليوم والليلة، فما حكم ذلك يحفظكم الله؟ فأجاب حفظه الله: لا شك أن هذا الابتلاء من شياطين الجن، والصَّرْعُ والمسُّ عقوبة من الله تعالى، أو ابتلاء وامتحان، فننصح هذه الأسرة بالتوبة إلى الله وكثرةِ الذكر والاستغفار، والدعاء وقراءة القرآن والأعمال الصالحة، والتنفُّلِ بالصلوات والصيام والصدقات، وتطهيرِ المساكن من آلات اللهو وأجهزة الأغاني والصور والأفلام الخليعة، والقنوات الفضائية التي توقع في الفتنة وتدعو إلى الحرام، ولهم أن يداوموا على قراءة سورة البقرة، فهي التي لا يستطيعها البطلة (أي السحرة)، ويهرب الشيطان من البيت الذي تُقرأ فيه سورةُ البقرة، والأفضل أن يقرأها أحد أهل البيت رجل أو امرأة، ويواصل قراءتها في أول الليل قراءة متوسطة، وهكذا أيضًا يقرؤوها في جهاز تسجيل بشكل متواصل كل يوم أو كل ليلة، ولعلهم بذلك أن يتعافَوا من هذا البلاء، والله أعلم.
[ ٣٠ ]
وبخاصة ماء زمزم؛ فهو شفاءُ سُقْمٍ (٣٢)، فلو قرئ عليه كان ذلك أولى وأرجى لحصول الشفاء إن شاء الله (٣٣) . ولو أضيف إليه ورق السدر، أو إلى أي ماء طهور مقروء عليه، أو نُقِعَت فيه أوراقٌ كُتب عليها آياتٌ قرآنية بمِداد طاهر - من زعفرانٍ ونحوه - كان ذلك سببًا للشفاء أيضًا بإذن الله (٣٤) .
١٠- الحرص على أكل زيت الزيتون والادِّهان به؛ لقوله ﷺ: كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ (٣٥)، وكذلك الحبة السوداء، وزيتها، يؤكل منها ويُدَّهن بزيتها؛ لقوله ﷺ: فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ
_________________
(١) لقول النبي ﷺ: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ؛ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ [وَشِفَاءُ سُقْمٍ]»، أخرجه مسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي ذر ﵁، برقم (٢٤٧٣)، وقوله ﷺ: «وَشِفَاءُ سُقْم»: زيادة عند الإمام الطيالسي من الوجه الذي أخرَجه منه مسلم. كما أفاد بذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/٤٩٣) .
(٢) لأن الراقي يجمع بذلك بين شفاءين: القرآن وماء زمزم.
(٣) انظر: المنتقى من فتاوى الفوزان (٢/١٤٥) .
(٤) أخرجه الترمذي، كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في أكل الزيت، برقم (١٨٥١)، عن عمر ﵁. وبرقم (١٨٥٢)، عن أبي أَسِيدٍ الساعدي ﵁.
[ ٣١ ]
مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلاَّ السَّامَ (٣٦)، ولو قرئ عليهما - أي: زيت الزيتون، وزيت الحبة السوداء - من آيات القرآن كان ذلك أفضل إن شاء الله.
١١- الحرص على شرب العسل؛ فإن فيه شفاءً للناس؛ كما أخبر الله ﷿، ولو قرئ عليه بعض آيات القرآن لكان ذلك أولى؛ ليُجمع بذلك بين فضل الاستشفاء بالقرآن الكريم، ومشروعية الاستشفاء بالعسل (٣٧) .
١٢- الحرص على الاحتجام كلما احتيج إليه؛ وذلك لقول النبي ﷺ: «الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنَا أَنْهى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (٣٨) .
_________________
(١) متفق عليه؛ أخرجه البخاري، كتاب: الطب، باب: الحبة السوداء، برقم (٥٦٨٨) . ومسلم، كتاب: السلام، باب: التداوي بالحبة السوداء، برقم (٢٢١٥) . قال ابن شهاب الزهري ﵀: والسامُ (بتخفيف الميم): الموت، والحبة السوداء: الشُّونِيزُ. اهـ. و«الشُّونِيزُ» لفظ فارسي معرَّب، اشتهرت تسمية الحبة السوداء به في زمن النبي ﷺ، ويسميها الناس اليوم: حبة البركة. وانظر - للتفصيل في التداوي بالحبة السوداء - كتابَنا: التحصين من كيد الشياطين ص٢٣١ وما بعدها.
(٢) راجع تفصيل العلاج بالماء والزيت والسِّدر والعسل في الملحق الأول من هذا الكتاب.
(٣) متفق عليه من حديث جابرٍ ﵁: أخرجه البخاري؛ كتاب: الطب، باب: الدواء بالعسل، برقم (٥٦٨٣)، ومسلم؛ كتاب: السلام، باب لكل داء دواء، واستحباب التداوي، برقم (٢٢٠٥) .
[ ٣٢ ]
١٣- التَصَبُّحُ بسبع تَمَرات عجوةً؛ وذلك لقول رسول الله ﷺ: «مَنْ تَصَبَّحَ - كُلَّ يَوْمٍ - سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ» (٣٩) .
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الأطعمة، باب: العجوة، برقم (٥٤٤٥) . عن سعد بن أبي وقاص ﵁. ومسلم، كتاب: الأشربة، باب: فضل تمر المدينة، برقم (٢٠٤٧)، عنه أيضًا. واللفظ للبخاري.
[ ٣٣ ]