قال الله -﷿-: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
قال أبو عبد الله محمد بن خفيف الصوفي: "سألنا أبو العباس بن سريج بشيراز فَقَالَ لنا: محبة الله فرض أم غير فرض؟ قلنا: فرض، قال: ما الدلالة عَلَى فرضها؟ فما منا من أتى بشيء يقبل فرجعنا إِلَيْهِ وسألناه: ما الدليل عَلَى فرض محبة الله -﷿-؟ فَقَالَ: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: - ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] قال: فتوعدهم الله -﷿- عَلَى تفضيل محبتهم لغيره عَلَى محبته ومحبة رسوله، والوعيد لا يقع إلا عَلَى فرض لازم وحتم واجب".
وفي "الصحيحين" (١) عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أَحَبّ إِلَيْهِ من والده وولده والناس أجمعين".
وفي "الصحيحين" (٢) أيضًا أن عمر بن الخطاب -﵁- قال: "يا رسول الله، والله لأنت أَحَبّ إلي من كل شيء إلا من نفسي. فَقَالَ: لا يا عمر حتى أكون أَحَبّ إليك من نفسك. فَقَالَ: والله لأنت أَحَبّ إلي من نفسي. فَقَالَ: الآن يا عمر".
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤)، ومسلم (٦٩).
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٣٢) ولم يخرجه مسلم، قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٤٣): "انفرد بإخراجه البخاري".
[ ٣ / ٢٩٧ ]
ومعلوم أن محبة الرسول إِنَّمَا هي تابعة لمحبة الله جل وعلا؛ فإن الرسول إِنَّمَا يحب موافقة لمحبة الله له، ولأمر الله بمحبته وطاعته واتباعه، فإذا كان لا يحصل الإيمان إلا بتقديم محته عَلَى الأنفس والأولاد والآباء والخلق كلهم، فما الظن بمحبة الله ﷿؟
وذكر ابن إسحاق عن المغيرة بن عثمان بن الأخنس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن "أن النبي - صلى الله عليه سلم- خطب لما قدم المدينة فَقَالَ في خطبته (١): "أحبوا من أَحَبّ الله وأحبوا الله من كل قلوبكم".
وقد جعل النبي -ﷺ- تقديم محبة الله ورسوله عَلَى محبة غيرهما من خصال
الإيمان ومن علامات وجود حلاة الإيمان في القلوب.
ففي "الصحيحين" (٢) عن أنس ﵁، وأن النبي - ﷺ - قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أَحَبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار".
وفي رواية "النسائي" (٣): "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله ورسوله أَحَبّ إليه مما سواهما، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن توقد نار [عظيمة] (*) فيقع فيها أَحَبّ إليه من أن يشرك بالله شيئًا".
وفي مسند الإمام أحمد (٤) عن أبي رزين العقيلي قال: "قلت يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده
_________________
(١) علقه ابن هشام في "السيرة النبوية" (٢/ ١٦٦ - ١٦٧). وأخرج البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٢٥) شطره الأخير.
(٢) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).
(٣) (٨/ ٩٤ - ٩٥) برقم (٤٩٨٧). (*) من سنن النسائي.
(٤) (٤/ ١١). وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٣ - ٥٤): رواه أحمد، وفي إسناده: سليمان بن موسي، وقد وثقه ابن معين وأبو حاتم وضعفه آخرون.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
ورسوله، وأن يكون الله ورسوله، أَحَبّ البك مما سواهما، وأن تحرق في النار أَحَبّ إليك من أن تشرك بالله، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله، فَإِذَا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في قلبك كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ" (١).
ورُوي من حديث المقداد بن الأسود عن النبي ﷺ قال: "من أَحَبّ الله ورسوله صادقًا من قلبه، ولقي المؤمنين فأحبهم، ومن كان أمر الجاهلية عنده كنار أججت فألقي فيها فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان -أو قال: بلغ ذروة الإيمان" (٢).
ومن هذا المعني أن الله -تعالى- قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾ [الممتحنة: ١٠] فأمر بامتحانهن ليعلم إيمانهن، فكان النبي -ﷺ- يحلفهن أنهن ما خرجن إلا حبًّا لله ورسوله، لم يخرجن رغبة في غير ذلك؛ فيكون ذلك علمًا بإيمانهن.
قال ابن عباس في هذه الآية: "كانت المرأة إذا أتت النبي ﷺ لتسلم حلفها بالله: ما خرجتي من بغض زوج إلا حبًّا لله ورسوله؟ ".
وهو موجود في بعض نسخ الترمذي (٣) كذلك.
وخرّجه البزار في "مسنده" (٤)، وابن جرير (٥) وابن أبي حاتم، ولفظه:
_________________
(١) وهو الشديد الحر.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٦٠٦). وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٨٨): رواه الطبراني في الكبير، وفيه شريح بن عبيد، وهو ثقة مدلس، اختلف في سماعه من الصحابة لتدليسه.
(٣) برقم (٣٣٠٨) وقال: "هذا حديث غريب".
(٤) برقم (٢٢٧٢ - كشف) قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، وأبو نصر لم يرو عنه إلا خليفة. وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٢٣): وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري وضعفه غيرهما، وبقية رجاله ثقات.
(٥) في تفسيره (٢٨/ ٤٤).
[ ٣ / ٢٩٩ ]
"حلفها بالله ما خرجتي من بغض زوج، وبالله ما خرجتي إلا حبًّا لله ورسوله".
وخرج إبراهيم بن الجنيد الختلي في "كتاب المحبة" بإسناد ضعيف عن أبي هريرة مرفوعًا قال: "الإيمان في قلب الرجل أن يحب الله ﷿".
ومن مراسيل الزهري أن النبي ﷺ قال: "رأس الإيمان المحبة لله -﷿- وطابع الإيمان: البر والعدل، وتحقيق الإيمان بإكرام ذي الدِّين وذي الشيبة".
***
[ ٣ / ٣٠٠ ]