ومما يستحليه المحبون لله -﷿- اختيارهم الذل له عَلَى الشَّرفِ، والخمول عَلَى الشهرة.
قال مخلد بن الحسين: "ما أحبَّ الله عَبْدٌ فأحب أن يعرف الناس مكانه".
وقال أحمد بن أبي الحواري: "من عبد الله عَلَى المحبة لا يحب أن يرى خدمته سوى محبوبه".
وقال ذو النون: "كل مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش، وكل محب ذليل، وكل خائف هارب، وكل راج طالب".
وكان بشر يقول في دعائه: "اللهم إنك تعلم أن الذل أَحَبّ الي من العز، وأن الفقر أَحَبّ الي من الغنى، وأني لا أوثر عَلَى حبك شيئًا. فسمعه رجل فأخذه البكاء، فَقَالَ: [اللهم] (٢) أنت تعلم أني لو علمت أن هذا ها هنا لم أتكلم".
وسئل يوسف بن الحسين: "ما بال المحبين يتلذذون بالذل في المحبة؟!
فأنشأ يقول:
ذُلُّ الفتى في الحبِّ مكرمةٌ وخضوعه لحبيبه شرفُ
وفي هذا المعنى يقول القائل:
مساكين أهل الحبِّ حتى قبورهم عليها ترابُ الذلِّ بين المقابر
_________________
(١) هذا العنوان ليس في الأصل، وهو من تصرف محقق المطبوع.
(٢) من المطبوع.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
ويقول الآخر:
العزُّ ذُلي فلا تَلُمْنِي ما ينبغي يا عذولي مني
قال جعفر بن سليمان: عن مالك بن دينار، قال موسى -﵇-: "إلهي أين أبغيك؟ فأوحى الله إِلَيْهِ يا موسى ابغني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، فإني أدنو منهم في كل يوم وليلة باعًا، ولولا ذلك لانهدموا" (١).
قال جعفر: "فقلت لمالك: كيف المنكسرة قلوبهم؟ فَقَالَ: سألت الَّذِي قرأ في (الكتاب) (٢) فَقَالَ: سألت الَّذِي سأل عبد الله بن سلام عن المنكسرة قلوبهم ما يعني؟ قال: المنكسرة قلوبهم بحب الله (ﷻ) (٣) عن حب غيره".
خرجه إبراهيم بن الجنيد.
_________________
(١) أخرجه أحمد في الزهد ص (٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٦٤) وفي إسناده انقطاع كما هو معروف بين مالك وموسى -﵇.
(٢) في المطبوعة: "الكتب".
(٣) من المطبوع.
[ ٣ / ٣٦٩ ]