وقد غلط طوائف من المتأخرين في أمرهم فظنوا أن حالهم هو غاية الكمال، وأن العقلاء كلهم من العُلَمَاء بالله، والعمال لله مقصرون عن درجتهم، وهذا خطأ قبيح جدًّا. ثم أدخلوا في طبقتهم من ليس منهم من المجانين الذين لا حكمة لديهم ولا ظهر شيء من الأحوال الصحيحة [عليهم] (١) وإنَّما تظهر منهم مخالفة الشرعة بالأعمال والأقوال الشنيعة، ولكن أحسنوا الظن بهم لما يظهر من بعضهم من الإخبار بالمغيبات في بعض الأحيان، مما قد ظرفر منه من الرهبان والكهان، ونشأ بهذا السبب اعتقاد أن الأولياء لهم طريقة غير طريقة الأنبياء، وأنهم واقفون مع الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة إِلَى غير ذلك من أنواع الضلال والبدع الفظيعة.
ووجد بعض من كان في صدره النفاق كامنًا من أنواع الحلولية والإباحية سبيلا إِلَى إظهار ما في نفوسهم، فعظم الخطب بذلك واشرأب النفاق، ولو سمع بذلك أئمة الطريق العارفون بالله كالجنيد ومن قبله لجاهدوا في الله حق جهاده في إنكار هذه العظائم، ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجته ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
وقد ورد حديث: "إن أكثر أهل الجنة البُله".
وله طريقان ضعيفان:
أحدهما: مسند من حديث أنس (٢)، والآخر: مرسل من مراسيل عمر بن
_________________
(١) (*) هذا العنوان من تصرف محقق المطبوع.
(٢) من المطبوع.
(٣) أخرجه البزار (١٩٨٣ - كشف) وابن عدي في الكامل (٣/ ٣١٣). قال البزار: قد روى بعضه مرفوعًا من وجوه، وبعضه لا نعلمه إلا من هذا الوجه،=
[ ٣ / ٣٩٣ ]
عبد العزيز (١).
قد رواه أحمد بن أبي الحواري بإسناده إِلَى عمر مرسلًا، ثم قال مفسرًا له: البُله عن الشر وأعلى عليين لأولي الألباب. يشير إِلَى أن درجة العقلاء أكمل وأعلى من درجة هؤلاء، وبَيَّن أن المراد: البله عن الشر الذين لا يعرفونه من شدة سلامة صدورهم، وإنما يعرفون الخير فقط.
وروى ابن أخي ابن وهب عن عمه عبد الله بن وهب، قال: "سألت مالكًا عن تفسير قول النبي ﷺ: أكثر أهل الجنة البله. فَقَالَ: الأبله مثل عبد الله ابن عمر -﵄- كان أبله في معاصي الله، فطنًا فيما يرضي الله، مسارعًا إِلَى ما يرضي الله، بطيئًا عن محارم الله، لا تأخذه في الله لومة لائم".
ثم رواه الحسن بن حبيب الدمشقي عن عبد الله بن عبد الحميد عن ابن أخي ابن وهب به.
وكذلك رُوي تفسيره عن الأوزاعي، قال إسحاق بن راهويه في "مسنده": حدثنا بقية بن الوليد قال: حدثنا الأوزاعي عن أبي يزيد الجوفي قال "قال رسول
_________________
(١) =وسلامة هو ابن أخي عقيل، ولم يتابع عَلَى حديثه: "أكثر أهل الجنة البله" عَلَى أنَّه لو صح كان له معنى. وقال ابن عدي: وهذا الحديث بهذا الإسناد منكر لم يروه عن عقيل غير سلامة هذا. وأخرجه أبو موسى المديني في "اللطائف" (ق/٧٥أ) بتحقيقي وفيه متابعة ابن عيينة لسلامة بن روح ولكن أبا موسى المديني قال: حديث غريب جدًّا من حديث ابن عيينة عن الزهري، وإنَّما يعرف هذا من رواية سلامة بن روح. وذكر هذا الحديث ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٣٠٢) في ترجمه سلامة ابن روح وذكر قول أبيه عنه: ليس بالقوي، محله عندي محل الغفلة. وقول أبي زرعة: أيلي ضعيف منكر الحديث.
(٢) قال العلامة الألباني -﵀- في تخريجه للعقيدة الطحاوية (ص ٥٠٩): رواه عبد الوهاب الكلابي في "حديثه" (ق/١٧٦/ ٢) بسنده عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، وعبد العزيز صدوق يخطئ كما في التقريب، وفيه من لم أجد من ترجمه.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
الله - ﷺ -: "أكثر أمتي دخولا الجنة البله. قال: سألت الأوزاعي عن البله؟ قال: الذين يعرفون الخير ولا يعرفون الشر".
وهذا مرسل أيضًا.
***
[ ٣ / ٣٩٥ ]