في البيت بعد المصيبة (١).
وقال خالد بن أبي عثمان: مات ابن لي فرآني سعيد بن جبير مقنعًا، فقال لي: إياك والتقنع فإنه من الاستكانة (٢).
وليس الجزع -أخي الحبيب- أن تدمع العينان ويحزن القلب، ولكن الجزع القول السيء والظن السيء (٣).
ومن آداب الصبر استعماله في أول الصدمة وحين وقوع الفاجعة لقوله - ﷺ -: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" (٤).
ومن الآداب سكون الجوارح واللسان، فأما البكاء فجائز.
قال بعض الحكماء: الجزع لا يرد الفائت ولكن يسر الشامت.
ومن حسن الصبر أن لا يظهر أثر المصيبة على المصاب (٥).
وأما البكاء والحزن من غير صوتٍ ولا كلامٍ محرمٍ، فهو لا ينافي الصبر والرضا.
قال تعالى حكايةً عن يعقوب -﵇-: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٦).
_________________
(١) عدة الصابرين ٣٢٦.
(٢) تسلية أهل المصائب ٢٢٤.
(٣) عدة الصابرين ٣٢٦.
(٤) متفق عليه
(٥) مختصر منهاج القاصدين ٢٩٩.
(٦) يوسف: ٨٤.
[ ١٩ ]
قال قتادة: كظيم على الحزن، قلم يقل إلا خيرًا، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١). وقوله تعالى عنه في أول السورة: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾.
وقد جاء في أثرٍ مرفوع إلى النبي - ﷺ -: "من بث لم يصبر" لكن يعقوب -﵇- ابيضت عيناه من البكاء ولم يناف حُزنه وبكاؤه وصبره، فإنه - ﵇- ما شكا بثه وحزنه إلى مخلوق، وإنما شكاه إلى الله (٢).
وحُكي عن شريح أنه قال: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات وأشكره، إذ لم تكن أعظم مما هي، وإذ رزقني الصبر عليها، وإذ وفقني الاسترجاع لما أرجوه فيه من الثواب، وإذ لم يجعلها في ديني (٣).
ومما ينافي الصبر شق الثياب عند المصيبة، ولطم الوجه، والضرب بإحدى اليدين على الأخرى، وحلق الشعر، والدعاء بالويل (٤).
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة -﵂- قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمر الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في
_________________
(١) يوسف: ٨٦.
(٢) تسلية أهل المصائب ٢٢٣.
(٣) تسلية أهل المصائب ٢٩٠.
(٤) عدة الصابرين ٣٢٥.
[ ٢٠ ]
مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها". [الحديث].
وقد جعل الله كلمات الاسترجاع وهى قول المصاب "إنا لله وإنا إليه راجعون" ملجأً وملاذًا لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين من الشيطان لئلا يتسلط على المصاب فيوسوس له بالأفكار الرديئة، فيهيج ما سكن، ويظهر ما كمن (١).
وليعلم المصاب أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها، وهو في الحقيقة يزيد في مصيبته، بل يعلم المصاب أن الجزع يشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه، وإذا صبر واحتسب أخزى شيطانه، وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه، فهذا هو الثبات في الأمر الديني قال النبي - ﷺ -: "اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر" فهذا هو الكمال الأعظم، لا لطم الخدود وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، والتسخط على المقدور.
قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول يومٍ من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم (٢).
قال عبدالله بن المبارك -﵀-: أتى رجل يزيد بن يزيد
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ١٦.
(٢) تسلية أهل المصائب ٣٩.
[ ٢١ ]
وهو يصلي وابنه في الموت، فقال: ابنك يقضي وأنت تصلي؟ ! فقال: إن الرجل إذا كان له عمل يعمله فتركه يومًا واحدًا كان ذلك خللًا في عمله (١).
قال ابن عبد العزيز لأم مات ابنها: اتقي الله واحتسبيه عند الله واصبري، فقالت: مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصبر على المصائب واجب باتفاق أئمة الدين، وإنما اختلفوا في وجوب الرضا (٣).
ومما يقدح في الصبر والرضا وينافيهما: إظهار المصيبة، والتحدث بها وإشاعتها، سواء كان كلامًا بها بين الأصحاب أو غيرهم، اللهم إلا أن يقول لأصحابه أو لأقاربه: مات فلان، يعني والده أو ولده، ونحو ذلك، وما يريد به إظهار المصيبة، وإنما يريد إعلامهم لأجل الصلاة عليه وتشييعه ونحو ذلك مما هو من فروض الكفايات، ويحصل لهم بذلك القراريط من الأجر (٤).
قال شقيق البلخي: من شكا مصيبة به إلى غير الله، لم يجد في قلبه لطاعة الله حلاوةً أبدًا (٥).
وما يصيب الإنسان محن وابتلاء من الله -جل وعلا- فالفتنة
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ٢٢٤.
(٢) تسلية أهل المصائب ٢٢٤.
(٣) الفتاوى ١١/ ٢٦٠.
(٤) تسلية أهل المصائب ٢٢٦.
(٥) منهاج القاصدين ٣٠١.
[ ٢٢ ]
كير القلوب، ومحك الإيمان وبها يتبين الصادق من الكاذب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. فالفتنة قسمت الناس إلى صادق وكاذب، ومؤمن ومنافق، وطيب وخبيث فمن صبر عليها، كانت رحمةً في حقه، ونجا بصبره من فتنةٍ أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنةٍ أشد منها (١).
قال ثابت: أصيب عبدالله بن مطرق بمصيبة فرأيته أحسن شيء شارة وأطيبه (٢).
وكان علي بن أبي طالب يقول: من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك ولا تذكر مصيبتك (٣).
وعندما سأل رجلٌ الإمام أحمد: كيف تجدك يا أبا عبدالله؟ قال: بخير في عافية، فقال له: حممت البارحة؟ قال: إذا قلت لك: أنا في عافية فحسبك، لا تخرجني إلى ما أكره (٤).
وما يكرهه -﵀- التحدث عن المرض وعدم كتمانه وذلك لما يرجوه من كتمان المرض. فكيف يشتكي العبد ربه إلى مخلوق مثله، وأما إذا كان الإخبار على سبيل الاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال ضرره، لم يقدح ذلك في الصبر.
_________________
(١) إغاثة اللهفان ٢/ ١٦٢.
(٢) تسلية أهل المصائب ٢٢٤.
(٣) مختصر منهاج القاصدين ٢٩٩.
(٤) مختصر منهاج القاصدين ٢٩٩.
[ ٢٣ ]
* بعث عمر بن الخطاب -﵁- برسالة إلى أبي موسى الأشعري فيها: عليك بالصبر واعلم أن الصبر صبران، أحدهما أفضل من الآخر، الصبر في المصيبات حسن وأفضل منه الصبر عما حرم الله تعالى (١).
وإذا تأملت -أخي- حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم به إلى أجل الغايات وأكمل النهايات، التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسر لكماله، كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة، فصورته صورة ابتلاء وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله من نعمة جسيمة، ومنّة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان (٢).
قال وهب بن منبه: رءوس النعم ثلاثة: فأولها نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها، والثانية نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها والثالثة نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا به (٣).
ولو رأيت في نفسك وفي من حولك لحمدت الله الذي أسبغ عليك نعمه ظاهرةً وباطنةً ولا نخرج في حالنا عن ما قاله عبد الملك
_________________
(١) الإحياء ٤/ ٦٥.
(٢) مفتاح دار السعادة ٢٩٩.
(٣) عدة الصابرين ١٨١.
[ ٢٤ ]
بن إسحاق: ما من الناس إلا مُبتلى بعافية لينظر كيف شكره؟ أو بلية لينظر كيف صبره؟ (١).
والبلاء والمصائب في عمر الإنسان أيامٌ معدودة .. لحظاتٌ ثم تنجلي.
كان محمد بن شبرمة إذا نزل به بلاء قال: سحابة صيف ثم تنقشع (٢).
فالحمد لله على نعمه وعلى ما قضى .. ذكر ابن أبي الدنيا: أن داود قال: يا رب، أخبرني ما أدنى نعمك عليّ، فأوحى الله إليه: يا داود، تنفس، فتنفس، قال: هذا أدنى نعمي عليك (٣).
وتمام النعمة وكمال العطاء ما قاله رسول الله - ﷺ -: "إن تمام النعمة فوز من النار ودخول في الجنة".
وقال ابن أبي الحواري: قلت لأبي معاوية: ما أعظم النعمة علينا في التوحيد؟ نسأل الله أن لا يسلبنا إياه، قال: يحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه، والله أكرم من أن ينعم بنعمة إلا أتمها، ويستعمل بعمل إلا قبله (٤).
وذُكر عن هلال بن بساق قال: كنا قعودًا عند عمار بن ياسر، فذكروا الأوجاع، فقال أعرابي: ما اشتكيت قط، فقال
_________________
(١) عدة الصابرين ١٧٢.
(٢) عدة الصابرين ١٢٥.
(٣) عدة الصابرين ١٧٦.
(٤) عدة الصابرين ١٧٥.
[ ٢٥ ]
عمار: ما أنت منا أو لست منا، إن المسلم يُبتلى ببلاء، فتحط عنه ذنوبه كما يحط الورق من الشجر، وإن الكافر أو قال الفاجر يُبتلى ببلية، فمثله مثل البعير إن أطلق لم يدر لم أطلق؟ وإن عُقل لم يدر لم عُقل؟ (١).
والحمد لله على هذا الفضل العظيم والإحسان الجزيل قالت عائشة -﵂-: "إن الحمى تحط الخطايا كما تحط الشجرة ورقها".
وفي الحديث عنه - ﷺ - أنه قال: "إن الله ليكفر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلة".
قال ابن أبي الدنيا: كانوا يرجون في حمى ليلة كفارة ما مضى من الذنوب (٢).
أخي الحبيب: أرأيت ما نكرهه ونتأذى من وجوده .. يرحمنا الله به ويحط به ذنوبًا سلفت لا إله إلا هو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين.
قال معروف الكرخي: إن الله ليبتلي عبده المؤمن بالأسقام والأوجاع، فيشكو إلى أصحابه، فيقول الله ﵎: وعزتي وجلالي ما ابتليتك بهذه الأوجاع والأسقام إلا لأغسلك من الذنوب فلا تشتكني (٣).
_________________
(١) عدة الصابرين ١١٤.
(٢) عدة الصابرين ١١٦.
(٣) عدة الصابرين ١٢٢.
[ ٢٦ ]
وحين مرض كعب، عاده رهط من أهل دمشق، فقالوا: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟ قال: بخير، جسدٌ أخذ بذنبه إن شاء ربه عذبه وإن شاء رحمه، وإن بعثه بعثه خلقًا جديدًا، لا ذنب له (١).
وقال وهب بن منبه: لا يكون الرجل فقيهًا كامل الفقه حتى يعد البلاء نعمة ويعد الرخاء مصيبة، وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء، وصاحب الرخاء ينتظر البلاء (٢).
وفسر الفضيل قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ بقوله: صبروا على ما أمروا به، وصبروا عما نهوا عنه (٣).
أما بكر بن عبدالله فقد سأله أخ له أن يوصيه فقال: ما أدري ما أقول غير أنه ينبغي لهذا العبد أن لا يفتر من الحمد والاستغفار (٤).
فإن ابن آدم بين نعمة وذنب: ولا تصلح النعمة إلا بالحمد والشكر، ولا يصلح الذنب إلا بالتوبة والاستغفار وقد يظن القارئ أن المصيبة هى موت قريبٍ أو فقد حبيب، وربما كانت مرضًا عارضًا أو حادثًا مروعًا .. ولكن نعمة الله وسعت كل شيءٍ .. حتى الشوكة يشاكها المؤمن له فيها سهم من الخير.
_________________
(١) عدة الصابرين ١١٨.
(٢) عدة الصابرين ١٢٢.
(٣) عدة الصابرين ٩٧.
(٤) عدة الصابرين ١٧٧.
[ ٢٧ ]
في الصحيحين عن النبي - ﷺ - قال: "ما يصيب المؤمن من وصبٍ ولا نصبٍ ولا هم ولا حزنٍ ولا غم ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه".
فتلمس أخي موضع قدمك ومكان ألمك ومتى ما أصبت بأقل شيء فقل: "إنا لله وإنا إليه راجعون" .. واحمد الله الذي رزقنا هذا الفضل وهذا الإحسان.
كان شميط بن عجلان يقول: إن العافية سترت البر والفاجر، فإذا جاءت البلايا استبان عندها الرجلان، فجاءت البلايا إلى المؤمن، فأذهبت ماله وخادمه ودابته، حتى جاع بعد الشبع، ومشى بعد الركوب، وخدم نفسه بعد أن كان مخدومًا، فصبر ورضي بقضاء الله -﷿- وقال: هذا نظر من الله -﷿-، هذا أهون لحسابي غدًا.
وجاءت البلايا إلى الفاجر فأذهبت ماله وخادمه ودابته، فجزع وهلع وقال: والله ما لي بذا طاقة، والله لقد عودت نفسي عادة، ما لي عنها صبر في الحلو والحامض والحار والبارد ولين العيش. فإن هو أصابه من الحلال وإلا طلبه في الحرام والظلم ليعود إلى ذلك العيش (١).
وعاد رجل من المهاجرين مريضًا، فقال إن للمريض أربعا: يرفع عنه القلم، ويكتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته،
_________________
(١) صفة الصفوة ٣/ ٣٤٦.
[ ٢٨ ]
ويتبع المرض كل خطيئة من مفصل من مفاصله فيستخرجها، فإن عاش عاش مغفورًا له، وإن مات مات مغفورًا له، فقال المريض: اللهم لا أزال مضطجعًا (١).
وكانت امرأة من العابدات بالبصرة تصاب بالمصائب فلا تجزع، فذكروا لها ذلك، فقالت: ما أصابُ بمصيبة فأذكر معها النار إلا صارت في عيني أصغر من الذباب (٢).
وقال أحمد بن حاتم: بلغني أن عروة بن الزبير قطعت رجله من الأكلة فقال: إن مما يطيب نفسي عنكِ، أني لم أنقلك إلى معصية لله قط (٣).
وحينما دخل رجلٌ على داود الطائي في فراشه فرآه يرجف فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون" فقال: مه، لا تعلم بهذا أحدًا، وقد أقعد قبل ذلك أربعة أشهر لا يعلم بذلك أحد (٤).
أخي المسلم:
الجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه، فإنه لو عرف ربه لما شكاه ولو عرف الناس لما شكا إليهم (٥).
_________________
(١) عدة الصابرين ١٢٣.
(٢) تسلية أهل المصائب ٤٠.
(٣) الورع لابن أبي الدنيا ٩٦.
(٤) عدة الصابرين ٣٢٧.
(٥) الفوائد ١١٤.
[ ٢٩ ]