أكثرت فيها قرع باب سيدك (١).
قال أبو الدرداء: ادع الله في يوم سرائك لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك، وأعظم الشدائد التي تنزل بالعبد في الدنيا الموت وما بعده أشدّ منه إن لم يكن مصير الصبر إلى خير (٢).
فالسعادة كلها في طاعة الله والأرباح كلها في معاملته، والمحن والبلايا كلها في معصيته ومخالفته فليس للعبد أنفع من شكره وتوبته، إن ربنا لغفور شكور، أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة.
يُطاع فيشكر، وطاعته من توفيقه وفضله. ويُعصى فيحلم، ومعصية العبد من ظلمه وجهله، ويتوب إليه فاعل القبيح فيغفر له، الحسنة عنده بعشر أمثالها، أو يضاعفها بلا عدد ولا حسبان، والسيئة عنده بواحدة ومصيرها إلى العفو والغفران، وباب التوبة مفتوح لديه منذ خلق السموات والأرض إلى آخر الزمان، إن ربنا لغفور شكور، بابه الكريم مناخ الآمال ومحط الأوزار، وسماء عطاء لا تقلع عن الغيث، بل هي مدرار، ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، لا يلقى وصاياه إلا الصابرون، ولا يفوز بعطاياه إلا الشاكرون، ولا يهلك عليه إلا الهالكون، ولا يشقى بعذابه إلا المتمردون.
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ٢٣٦.
(٢) جامع العلوم والحكم ٢٣١.
[ ٤٠ ]
أهل شكره أهل زيادته، وأهل ذكره أهل مجالسته، وأهل طاعته أهل كرامته، وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته (١).
أخي الكريم وطِّن نفسك على الشكر حين الشكر وعلى الصبر حين المصيبة فإن الدنيا لا تخلو من أمرين حلوٌ ومُر وسعادة وشقاء .. وصفاءٌ وكَدرَ.
لا بد للمرء من ضيق ومن سعة ومن سرور يوافيه ومن حزن
والله يطلب منه شكر نعمته ما دام فيها ويبغي الصبر في المحن
فما على شدة يبقى الزمان يكن ولا على نعمة تبقى على الزمن (٢)
قال سفيان الثوري: ما كان الله ليُنعم على عبدٍ في الدنيا فيفضحه في الآخرة، ويحق على المنعم أن يتم النعمة على من أنعم عليه (٣).
وفي الحديث عن أبي يحيى صهيب بن سنان -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًاَ له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له". [رواه مسلم].
_________________
(١) عدة الصابرين باختصار ٣٣٩.
(٢) البداية والنهاية ١٣/ ٨٣.
(٣) عدة الصابرين ١٧٥.
[ ٤١ ]
وما ننعم به من نعم الأمن وسعة العيش وتيسر المواصلات وكثيرٌ لا يحصيه إلا الله إنما هى بلية إذا لم تكن مما يقرب إلى الله وإذا لم تكن وسيلة إلى الطاعة والعبادة.
قال سلمة بن دينار: كل نعمة لا تقرب من الله -﷿- فهى بلية (١).
ويجب أن نستفيد من هذه النعم في الدعوة إلى الله وإلى نشر العلم الشرعي بين الناس وإلى كل عمل يحبه الله ويقربنا إليه زلفى.
قال يونس بن محمد المكي: زرع رجل من أهل الطائف زرعًا، فلما بلغ أصابته آفة فاحترق فدخلنا عليه لنسليه فيه، فبكى وقال: والله ما عليه أبكي ولكن سمعت الله تعالى يقول: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ (٢).
فأخاف أن أكون من أهل هذه الصفة، فذلك الذي أبكاني (٣).
احمد الله على كل حال إنما الدنيا كفيء الظلال
إنما الدنيا مناخٌ لراكب يسرع الحث بشد الرحال
_________________
(١) صفة الصفوة ٢/ ١٥٧.
(٢) آل عمران: ١١٧.
(٣) تسلية أهل المصائب ٥٨.
[ ٤٢ ]
ربَّ مغترٍ بها قد رأينا
نفسه فوق رقاب الرجال (١)
قال ثابت البناني: انطلقنا مع الحسن إلى صفوان بن محرز نعوده، فخرج إلينا ابنه، وقال: هو مبطون لا تستطيعون أن تدخلوا عليه، فقال الحسن: إن أباك إن يؤخذ اليوم من لحمه ودمه فيوجد فيه، خير من أن يأكله التراب (٢).
وليعلم المصاب أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقى عليه، ويكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يُبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه على مصيبته، فلينظر أي المصيبتين أعظم، مصيبته العاجلة بفوات محبوبه، أو مصيبته بفوات بيت الحمد في جنة الخلد؟
وفي الحديث عن النبي - ﷺ -: "يود ناسٌ لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل الدنيا".
وليعلم المصاب الجازع، وإن بلغ به الجزع غايته ونهايته فآخر أمره إلى صبر الاضطرار وهو غير محمود ولا مثابٌ عليه. فإنه استسلم للصبر وانقاد إليه على رغم أنفه (٣).
وقد نظر علي بن أبي طالب -﵁- إلى عدي بن
_________________
(١) أبو العتاهية ٣٦١.
(٢) عدة الصابرين ١٢٠.
(٣) تسلية أهل المصائب ٣٦.
[ ٤٣ ]
حاتم كئيبًا فقال: يا عدي مالي أراك كئيبًا حزينًا؟ قال: وما يمنعني وقد قتل أبنائي وفقئت عيني؟ فقال: يا عدي، من رضي بقضاء الله كان له أجر ومن لم يرض بقضاء الله حبط عمله (١).
وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد وكان من أحسن الناس وجها، فدخل يومًا على الوليد في ثياب وش، وله غديرتان، وهو يضرب بيديه، فقال الوليد: هكذا تكون فتيان قريش، فعانه فخرج من عنده متوسنًا. فوقع في إصطبل الدواب، فلم تزل الدواب تطأه بأرجلها حتى مات. ثم إن الأكلة وقعت في رجل عروة، فبعث إليه الوليد الأطباء فقالوا: إن لم تقطعها سرت إلى باقي الجسد فتهلك، فعزم على قطعها فنشروها بالمنشار فلما صار المنشار إلى القصبة وضع رأسه على الوسادة ساعة، فغشي عليه، ثم أفاق والعرق يتحدر على وجهه وهو يهلل ويكبر، فأخذها وجعل يقبلها في يده، ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام، ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضي الله. ثم أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت في قطيفة، ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين، فلما قدم من عند الوليد إلى المدينة تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه، فجعل يقول: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، ولم يزد عليه ثم قال: لا أدخل المدينة إنما أنا بها بين شامت بنكبة أو حاسد لنعمة، فمضى إلى قصر بالعقيق فأقام
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ٢٠٥.
[ ٤٤ ]
هنالك. فلما دخل قصره قال له عيسى بن طلحة: لا أبًا لشانئك، أرني هذه المصيبة التي نعزيك فيها، فلما كشف عن ركبته فقال له عيسى: أما والله ما كنا نعدك للصراع، قد أبقى الله أكثرك، عقلك ولسانك وبصرك ويديك وإحدى رجليك فقال له: يا عيسى؛ ما عزاني أحدٌ بمثل ما عزيتني به.
ولما أرادوا قطع رجله قالوا له: لو سقيناك شيئًا كيلا تشعر بالوجع فقال: إنما ابتلاني ليرى صبري أفأعارض أمره (١).
وقال مسلمة بن محارب: وقعت في رجل عروة بن الزبير الأكلة وقطعت، ولم يدع تلك الليلة وردة وقطعت ولم يمسكه أحد (٢).
رحمنا الله أين نحن من هؤلاء؟
قال عبيد الله بن أبي نوح: قال لي رجل على بعض السواحل: كم عاملته تبارك اسمه بما يكره فعاملك بما تحب؟ قلت: ما أحصي ذلك كثرة، قال: فهل قصدت إليه في أمر كربك فخذلك؟ قلت: لا والله. ولكنه أحسن إليّ وأعانني قال: فهل سألته شيئًا فلم يعطكه؟ قلت: وهل منعني شيئًا سألته؟ ما سألته شيئًا قط إلا أعطاني، ولا استعنت به إلا أعانني، قال: أرأيت لو أن بعض بني آدم فعل بك بعض هذه الخلال ما كان جزاؤه عندك؟ قلت: ما كنت
_________________
(١) عدة الصابرين ١٢٥ وانظر البداية والنهاية ٩/ ١١٤.
(٢) صفة الصفوة ٢/ ٨٦.
[ ٤٥ ]
أقدر له مكافأة ولا جزاء، قال: فربك أحق وأحرى أن تدأب نفسك له في أداء شكره وهو المحسن قديمًا وحديثًا إليك والله لشكره أيسر من مكافأة عباده، إنه ﵎ رضي من العباد بالحمد شكرًا (١).
وعندما سئل سفيان بن عيينة عن الزهد في الدنيا فقال: إذا أنعم عليه فشكر، وإذا ابتلي ببلية فصبر، فذلك الزهد (٢).
وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ يبكي ويرددها ويقول: إنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا (٣).
فاللهم ارحمنا برحمتك والطف بنا في قضائك وارحم ضعفنا واجبر كسرنا.
أخي .. عندما نسمع ما حل بالقوم ورضاهم عن الله -جل وعلا- وصبرهم على المصائب واحتسابهم الأجر .. نرى البون الشاسع بين حالنا وحالهم .. لنستمع إلى هذه الواقعة .. ونقيسها على ما بنا من مصائب ومحن .. إنها نقطة في بحر ورذاذٌ من مطر.
قال حكيم من الحكماء: مررت بعريش مصر وأنا أريد الرباط فإذا برجل في مظلة قد ذهبت عيناه ورجلاه، وبه أنواع البلاء وهو
_________________
(١) عدة الصابرين ١٧٤.
(٢) السير ٨/ ٤٦٨.
(٣) الإحياء ٤/ ٣٨٤.
[ ٤٦ ]