والصبر -أخي الكريم- مقامٌ من مقامات الدين ومنزل من منازل السالكين (١).
وقد قال أبو الدرداء: ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضاء بالقدر (٢).
وفي حديث عن النبي - ﷺ -: "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد" (٣).
والحسن -﵀- يقول: "الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله - ﷿ - إلا لعبد كريم عنده" (٤).
وقال رسول الله - ﷺ -: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" (٥).
والخير الحاصل للشاكرين هو الزيادة: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
والخير الحاصل للصابرين هو الأجر والثواب والمغفرة والرحمة (٦).
_________________
(١) الإحياء ٤/ ٦٥.
(٢) الإحياء ٤/ ٥٦.
(٣) ضعيف الجامع الصغير ٣٥٣٨.
(٤) مختصر منهاج القاصدين. ٢٩٥.
(٥) رواه مسلم.
(٦) الصبر وأثره ص ٥.
[ ٩ ]
قال الفضيل: إن الله -﷿- ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالخير (١).
وقال ﵀: لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يُعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة، وحتى لا يحب أن يُحمد على عبادة الله (٢).
وسأل رجلٌ الإمام الشافعي فقال: يا أبا عبد الله، أيما أفضل للرجل أن يُمكن أو يُبتلى؟ فقال الشافعي: لا يُمكن حتى يُبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكنَّهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة (٣).
وجعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٤).
والمصائب -أخي الكريم- تتفاوت ولكن أعظمها المصيبة في الدين، فهي أعظم مصائب الدنيا والآخرة، وهى نهاية الخسران الذي لا ربح معه، والحرمان الذي لا طمع معه (٥).
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر
وأصل كلمة الصبر هو المنع والحبس، فالصبر حبس النفس عن
_________________
(١) الإحياء. ٤/ ١٣٩.
(٢) السير. ٨/ ٤٣٤.
(٣) الفوائد ٢٦٩.
(٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٩.
(٥) تسلية أهل المصائب. ٢٤.
[ ١٠ ]