وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة". [رواه الترمذي]
وعنه - ﷺ - قال: "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك" قال ابن جريح في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال: إنهما معونتان على رحمة الله (١).
وعن ابن عباس -﵄- أنه نُعي إليه ابن له، فاسترجع وقال: عورة سترها الله، ومؤنة كفاها الله، وأجر قد ساقه الله تعالى، ثم نزل فصلى ركعتين ثم قال: قد صنعنا ما أمر الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.
وما دمنا على هذه الأرض نسير فوق ثراها فإننا معرضون للبلاء والمصائب تارةً في النفس وأخرى في المال وثالثة في الأبناء.
هذا نبي الله ابيضت عيناه من الحزن على ابنه يوسف وهو كما قال الله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قال
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ١٨٩.
[ ٧٤ ]
همام بن قتادة: كظيم على حزن فلم يقل إلا خيرًا (١).
وقد روى عن شمر أنه كان إذا عزى مصابًا قال: اصبر لما حكم ربك (٢).
وقال سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ قال: لما أخذ برأس الأمر جعلناهم رءوسًا (٣).
وقد جمع الله للصابرين ثلاثة أمور: لم يجمعها لغيرهم وهى: الصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
قال بعض السلف، وقد عُزي على مصيبة نالته: ما لي لا أصبر. وقد وعدني الله على الصبر ثلاث خصال، كل خصلة منها خير من الدنيا وما عليها (٤).
عن محمد بن خلف قال: كان لإبراهيم الحربي ابن كان له إحدى عشرة سنة، حفظ القرآن ولقنه من الفقه جانبًا كبيرًا، قال: فمات، فجئت أعزيه فقال كانت أشتهي موت ابني هذا، قال:
_________________
(١) عدة الصابرين ١٢٧.
(٢) عدة الصابرين ١٢٥ تسلية أهل المصائب ١٧٥.
(٣) عدة الصابرين ١٢٥.
(٤) عدة الصابرين ٩٩.
[ ٧٥ ]
فقلت له: يا أبا إسحاق أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا في صبي قد أنجب ولقنته الحديث والفقه؟ قال: نعم، رأيت في منامي كأن القيامة قد قامت، وكأن صبيانًا بأيديهم قلال فيها ماء يستقبلون الناس فيسقونهم، وكان اليوم حارًا شديدًا حره، قال: فقلت لأحدهم: أسقني من هذا الماء، قال: فنظر إليّ وقال: ليس أنت أبي، قلت: فأي أنتم؟ قال: فقال لي: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا وخلفنا آباؤنا فنستقبلهم فنسقيهم الماء، قال: فلهذا تمنيت موته (١).
أخي: إنه لا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس، فلا خلاص لأحد مما يؤذيه ألبتة، ولهذا ذكر الله -تعالى- في غير موضع أنه لا بد أن يُبتلى الناس، والابتلاء يكون بالسراء والضراء، ولا بد أن يبتلى الإنسان بما يسره وما يسوءه، فهو محتاج إلى أن يكون صابرًا شكورا، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢).
قال قيس بن الحجاج في قول الله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ قال: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو (٣).
وقد مات ابن لبعض قضاة البصرة، فاجتمع إليه العلماء والفقهاء، فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره، فأجمعوا أنه
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ٤٣.
(٢) الفوائد ٢٧١.
(٣) عدة الصابرين ١٢٨.
[ ٧٦ ]
إذا ترك شيئًا مما كان يصنعه فقد جزع (١).
عزى رجلٌ رجلًا في ابنه فقال: إنما يستوجب على الله وعده من صبر له بحقه، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر، فإنها أعظم المصيبتين عليك وأنكى الرزيتين لك والسلام (٢).
أما والذي لا خُلد إلا لوجهه ومن ليس في العز المنيع له كفو
لئن كان بدء الصبر مرًا مذاقه لقد يُجنى من غبته الثمر الحلو
أخي الحبيب:
من نزلت به بلية فأراد تمحيقها، فليتصورها أكثر مما هى تَهُن، وليتخيل ثوابها وليتوهم نزول أعظم منها، يرى الربح في الاقتصار عليها، وليتلمح سرعة زوالها، فإنه لولا كرب الشدة، ما رجيت ساعة الراحة، وليعلم أن مدة مقامها عنده، كمدة مقام الضيف، يتفقد حوائجه في كل لحظة، فيا سرعة انقضاء مقامه، ويا لذة مدائحه وبشره في المحافل ووصف المضيف بالكرم. فكذلك المؤمن في الشدة. ينبغي أن يراعي الساعات، ويتفقد فيها أحوال النفس، ويتلمح الجوارح، مخافة أن يبدو من اللسان كلمة، أو من القلب
_________________
(١) عدة الصابرين ٣٢٦.
(٢) عدة الصابرين ١٢٨.
[ ٧٧ ]
تسخط، فكأن قد لاح فجر الأجر، فانجاب ليل البلاء، ومدح الساري بقطع الدجى، فما طلعت شمس الجزاء إلا وقد وصل منزل السلامة ومن عرف جريان الأقدار ثبت لها وصبر لها ساعة (١).
لما مات عبدالملك بن عمر بن عبدالعزيز دفنه عمر وسوى عليه، ثم استوى قائمًا، فأحاط به الناس فقال: رحمك الله
يا بني، قد كنت برًا بأبيك، والله ما زلت مُذ وهبك الله لي مسرورًا بك، ولا والله ما كنت قط أسر بك سرورًا ولا أرجى
بحظي من الله تعالى فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيرك الله إليه (٢).
ولما مات أبوبكر الصديق قال علي بن أبي طالب: رضينا عن الله قضاءه وسلمنا له أمرنا إنا لله وإنا إليه راجعون (٣).
وعندما أصيب مطرف بن عبدالله في ابن له، فأتاه قوم يعزونه، فخرج إليهم أحسن ما كان بشرًا، ثم قال: إني لأستحي من الله أن أتضعضع لمصيبة (٤).
صبرت فكان الصبر خير مغبة وهل جزع يجدي عليّ فأجزع
_________________
(١) صيد الخاطر ١٠٤.
(٢) مختصر منهاج القاصدين ٢٠١.
(٣) تسلية أهل المصائب ٢١٣.
(٤) عدة الصابرين ١٢٩.
[ ٧٨ ]
ملكت دموع العين حتى رددتها
إلى ناظري فالعين في القلب تدمع (١)
أخي الكريم:
ليحذر العبد كل الحذر أن يتكلم في حال مصيبته وبكائه بشيء يحبط به أجره ويُسخط به ربه، مما يشبه التظلم، فإن الله تعالى عادلٌ لا يجور، وعالم لا يضل ولا يجهل، وحكيمٌ أفعاله كلها حكم ومصالح، ما يفعل شيئًا إلا بحكمه، وهو الفعال لما يريد، القادر على ما يشاء له الخلق والأمر، بل إنما يتكلم بكلام يُرضي به ربه، ويكثر به أجره، ويرفع الله به قدره (٢).
كان صلة بن أشيم في غزاة له ومعه ابن له فقال له: أي بني! تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم فقُتل، فاجتمعت النساء، فقامت امراته معاذة العذرية فقالت للنساء: مرحبًا إن كنتن جئتن لتهنئنني مرحبًا بكن، وإن كنت جئتن لغير ذلك فارجعن (٣).
حدث يزيد بن أبي حبيب: أن ابنًا لعياض بن عقبة حضرته الوفاة، وكان عياض غائبًا فقالت أم الغلام: لو كان أبو وهب حاضرًا لقرت عينه، فلما حضرت وفاة عياض بن عقبة قال لأخيه أبي عبيد: يهنئك الظفر قد كنت أرجو أن تكون قبلي
_________________
(١) عدة الصابرين ١٢٨.
(٢) تسلية أهل المصائب ٥٨.
(٣) مختصر منهاج القاصدين ٢٩٩.
[ ٧٩ ]
فأحتسبك (١).
أي أنك تحتسبني وتصبر على مصيبتي وينالك الأجر بذلك.
وحين مات عبدالله بن مطرف، خرج مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد أدهن، فغضبوا وقالوا: يموت عبدالله، ثم تخرج في ثياب من هذه مدهنًا؟ قال: أفأستكين لها، وقد وعدني ربي ﵎ ثلاث خصال، كل خصلة منها أحب إليَّ من الدنيا وما فيها قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٢).
ولنتأمل مسابقتهم إلى ذلك الخير ورغبتهم فيما عند الله ورضاهم عن الله -جل وعلا- قال سهيل بن الحنظلية الأنصاري - وكان لا يولد له - لأن يولد لي ولد سقط، فأحتسبه أحب إليّ من أن يكون لي الدنيا بأجمعها، وكان ابن الحنظلية ممن بايع تحت الشجرة (٣).
أخي الحبيب:
الدنيا وضعت لبلاء فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر، وأن يعلم أن ما حصل من المراد فلطف، وما لم يحصل فعلى أصل الخلق والجبلة للدنيا.
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ٤٤.
(٢) مختصر منهاج القاصدين ٢٩٩.
(٣) تسلية أهل المصائب ٤٤.
[ ٨٠ ]
وهنا تتبين قوة الإيمان وضعفه، فليستعمل المؤمن من أدوية هذا المرض التسليم للمالك والتحكيم لحكمته (١).
ستمضي مع الأيام كل مصيبة وتحدث أحداث تنسي المصائب (٢)
نسير مع هذه الصور الحية الناطقة في حياة من سبقنا ونرى كيف صبرهم ونلمس رضاهم عن الله -جل وعلا- في كل المصائب.
قال عمر بن عبدالعزيز لابنه: كيف تجدك؟ قال: في الموت، قال: لأن تكون في ميزاني أحب إليَّ أن أكون في ميزانك، فقال: والله يا أبت، لأن يكون ما تحب أحب إليَّ من أن يكون ما أحب (٣).
وعندما قيل لبعض الصالحين: قتل ولدك في سبيل الله! فبكى، فقيل له: أتبكي وقد استشهد؟ فقال: إنما أبكي كيف كان رضاه عن الله ﷿ حين أخذته السيوف (٤).
أخي أين نحن من هؤلاء؟
روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سفيان، قال: سمعت سفيان يقول: ما في الأرض أحب إلي من سعيد، وما في الأرض أحدٌ يموت
_________________
(١) صيد الخاطر ٥٠٧.
(٢) بغداد ٦/ ٢٥٩.
(٣) تسلية أهل المصائب ٢١٣.
(٤) تسلية أهل المصائب ٢١٠.
[ ٨١ ]
أحب إلي منه، فمات فرأيته يبكي، قال: قد كنت تتمنى موته، قال أذكر قوله: آه جنبي (١).
ومات ابن لعبدالرحمن بن مهدي فجزع عليه جزعًا شديدًا. فبعث إليه الشافعي يقول له: يا أخي، عزّ نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك، واعلم أن أمضَّ المصائب فقد سرورٍ وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر، فتناول حظِّك يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد تنأى عنك، ألهمك الله عند المصائب صبرًا، وأحرز لنا بالصبر أجرًا (٢).
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة إذا اخضر منها جانبٌ جف جانب
وما الدهر والآمال إلا فجائعٌ عليها وما اللذات إلا مصائب
فلا تكتمل عيناك منها بعبرة على ذاهب منها فإنك ذاهب (٣)
سبحان المتصرف في خلقه بالاغتراب والإذلال ليبلو صبرهم، ويظهر جواهرهم في الابتلاء.
فمن تلمح بحر الدنيا وعلم كيف تُتَلقى الأمواج، وكيف يصبر على مدافعة الأيام لم يستهول نزول بلاء، ولم يفرح بعاجل
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ٤٦.
(٢) تسلية أهل المصائب ١٧٥.
(٣) البداية والنهاية ١١/ ٣٢٠.
[ ٨٢ ]