يقول: الحمد لله حمدًا يوافي محامد خلقك بما أنعمت عليّ وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا، فقلت: لأنظرن شيء يملكه أم ألهمه الله إلهامًا؟ فقلت: على أي نعمة من نعمه تحمده أم على أي فضيلة تشكره، فوالله ما أرى شيئًا من البلاء إلا هو بك، فقال: ألا ترى ما قد صنع بي؟ فوالله لو أرسل السماء عليَّ نارًا فأحرقتني، وأمر الجبال فدكتني وأمر البحار فأغرقتني، ما ازددت له إلا حمدًا وشكرًا، وإن لي إليك حاجة: بنيَّة كانت تخدمني وتتعاهدني عند إفطاري انظر هل تحس بها؟ فقلت: والله إني لأرجو أن يكون لي في قضاء حاجة هذا العبد الصالح قربةً إلى الله -﷿- فخرجت أطلبها بين تلك الرمال فإذا السبع قد أكلها فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون من أين آتي هذا العبد الصالح فأخبره بموت ابنته؟ فأتيته فقلت له: أنت أعظم عند الله منزلة أم أيوب ﵇؟ ابتلاه الله في ماله وولده وأهله وبدنه حتى صار عرضًا للناس، فقال: لا، بل أيوب، قلت: فإن ابنتك التي أمرتني أن أطلبها أصبتها وإذا السبع قد أكلها. فقال: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا وفي قلبي منها شيء فشهق شهقة فمات (١).
اعلم أخي أن من حسن التوفيق وأمارات السعادة الصبر على الملمات والرفو عند النوازل (٢).
_________________
(١) صفة الصفوة ٤/ ٣٣٤.
(٢) أدب الدنيا والدين ٢٧٦.
[ ٤٧ ]
تنكر لي دهري ولم يدر أنني
أغر وأحداث الزمان تهون وظل يريني الدهر كيف اغتراره
وبت أريه الصبر كيف يكون (١)
فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا وإما أن لا يقول آمنا، بل يستمر على عمل السيئات، فمن قال: آمنا، امتحنه الرب ﷿ وابتلاه، وألبسه الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب، ومن لم يقل: آمنا، فلا يحسب أنه يسبق الرب لتجربته، فإن أحدًا لن يعجز الله تعالى، هذه سنته تعالى يُرسل الرسل إلى الخلق فيكذبهم الناس ويؤذونهم قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾.
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾. وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ومن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه وآذوه، فابتلي بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم عوقب فحصل له ما يؤلمه أعظم وأدوم، فلا بد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت أم كفرت، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والكافر تحصل له النعمة ابتداءً ثم يصير في الألم (٢).
_________________
(١) البداية والنهاية ١١/ ١٩٠.
(٢) الفوائد لابن القيم ٢٦٩.
[ ٤٨ ]