الجزع واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما (١).
وحقيقة الصبر خُلقٌ فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به من فعل ما لا يُحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها وحين سُئل الجنيد عن الصبر قال: تجرع المرارة من غير تعبس.
وقال ذو النون: هو التباعد عن المخالفات، والسكون عن تجرع غُصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة.
وقيل: الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب (٢).
-أخي الكريم- لا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس، فلا خلاص لأحد مما يؤذيه ألبته، ولهذا ذكر الله -تعالى- في غير موضع أنه لا بد أن يُبتلى الناس، والابتلاء يكون بالسراء والضراء، ولا بد أن يبتلى الإنسان بما يسره وما يسوؤه، فهو محتاج إلى أن يكون صابرًا شكورًا .. قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣).
_________________
(١) عدة الصابرين ٢٧.
(٢) عدة الصابرين. ٢٩.
(٣) الفوائد. ٢٧١.
[ ١١ ]
ولو تبصر الإنسان في من حوله لوجدهم بين أمرين وفي أحد حالين: إما سراء أو ضراء ولكن النفوس البشرية تغفل عن فتنة السراء ولا ترى إلا فتنة الضراء وهى الظاهرة في شكاوى البشر .. فما من إنسان إلا له ألمٌ أو فجيعةٌ أو هم أو غم أو نكد، ولا يكاد يمر يوم في هذه الدنيا دون تنكيد وتنغيص قال تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (١).
قيل في تفسير هذه الآية: يكابد أمرًا من أمر الدنيا وأمرًا من أمر الآخرة وفي رواية يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة (٢).
عن عبد الملك بن أبحر قال: ما من الناس إلا مبتلى بعافية، لينظر كيف شُكره أو مبتلى ببلية لينظر صبره (٣).
أما نعمة الضراء .. فاحتياجها إلى الصبر ظاهر، وأما نعمة السراء فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، فإن فتنة السراء أعظم من فتة الضراء (٤).
والفقر يصلح عليه خلق كثير، والغنى لا يصلح عليه إلا أقل منهم، ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين، لأن فتنة الفقر أهون، وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر، لكن لما كان في السراء اللذة وفي الضراء الألم اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في
_________________
(١) سورة البلد: ٤.
(٢) تفسير ابن كثير ٤/ ٥١٣.
(٣) حلية الأولياء. ٥/ ٨٥.
(٤) الفتاوى ١٤/ ٣٠٥.
[ ١٢ ]
الضراء (١).
وقد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم (٢)
أخي الكريم: إذا فجعتك المصائب ونزلت بك الهموم وادلهمت بك الطرق وأظلمت عليك الدروب من حوادث الدنيا المقدرة .. فإن عليك بمنزلة الرضا لما قدر الله وقضى فإنها المنزلة الأولى ..
فارض بقضاء الله وقدره ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾.
والدرجة الثانية: الصبر على البلاء وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاء، فالرضا فضل مندوب إليه مستحب، والصبر واجبٌ على المؤمن حتم.
والفرق بين الرضا والصبر، أن الصبر كف النفس وحبسها عن السخط مع وجود الألم وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا انشراح الصدر وسعته بالقضاء وترك تمني زوال الألم وإن وجد الإحساس بالألم، لكن الرضا يخففه ما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية (٣).
_________________
(١) الفتاوى ١٤/ ٣٠٥.
(٢) موارد الظمآن ٢/ ٧٥.
(٣) جامع العلوم والحكم باختصار ١٩٤.
[ ١٣ ]