قال بعض السلف: رأيت جمهور الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجًا يزيد عن الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت، وهل ينتظر الصحيح إلا السقم؟ والكبير إلا الهرم؟ والموجود سوى العدم؟
على ذا مضى الناس اجتماعٌ وفرقةٌ وميتٌ ومولودٌ وبشرٌ وأحزانُ
ثم قال: ولعمري إن أصل الانزعاج لا ينكر، إذ الطبع مجبول على الأمن من حلول المنايا، وإنما الإفراط فيه والتكليف، كمن يخرق ثيابه ويلطم وجهه ويعترض على القدر، فإن هذا لا يرد فائتًا، لكنه يدل على خور الجازع ويوجب العاقبة (١).
وكتب ابن أبي نجيح يعزي بعض الخلفاء: إن أحق من عرف حق الله تعالى فيما أخذ منه من عظم حق الله تعالى عنده فيما أبقاه له، واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك، والباقي بعدك هو المأجور فيك، واعلم أن أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه (٢).
وقال حسان بن أبي جبلة في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قال: لا شكوى فيه (٣).
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ٣٣.
(٢) الإحياء ٤/ ٧٧.
(٣) عدة الصابرين ١٢٧.
[ ٣٠ ]
والصبر مكانته عظيمة ومنزلته رفيعة كما قال علي بن أبي طالب: ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بار الجسم، ثم رفع صوته فقال: ألا إنه لا إيمان لمن لا
صبر له (١).
وقال عمر بن الخطاب: وجدنا خير عيشنا بالصبر (٢).
وذكر سلمان الفارسي أن رجلًا بسط له من الدنيا، فانتزع ما في يديه فجعل يحمد الله -﷿- ويثني عليه حتى لم يكن له فراش إلا بوري، فجعل يحمد الله ويثني عليه وبسط للآخر في الدنيا فقال لصاحب البوري: أرأيتك أنت على ما تحمد الله -﷿-؟ قال: أحمد الله على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم إياه، قال: وما ذاك؟ قال أرأيت بصرك؟ أرأيت لسانك؟ أرأيت يدك؟ أرأيت رجلك؟ (٣).
ومر وهب بمبتلى أعمى مجذوم، مقعد عريان، به وضح، وهو يقول: الحمد لله على نعمه، فقال رجل كان مع وهب: أي شيء بقى عليك من النعمة تحمد الله عليها؟ فقال له المبتلى: ارم ببصرك إلى أهل المدينة، فانظر إلى كثرة أهلها، أفلا أحمد الله أنه ليس فيها أحد يعرفه غيري (٤).
_________________
(١) عدة الصابرين ١٢٤.
(٢) عدة الصابرين ١٢٤.
(٣) جامع العلوم والحكم ٢٩٤.
(٤) عدة الصابرين ١٨١.
[ ٣١ ]
أي أن الله -جل وعلا- خصه بالبلاء ليمحصه ويطهره.
قال أبو الدرداء: من يتفقد يفقد، ومن لا يعد الصبر لفواجع الأمور يعجز (١).
واعلم أخي أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد الشفاء، فالصبر وإن كان شاقًا أو ممتنعًا فتحصيله ممكن.
وليعلم أهل المصائب أنه لولا محن الدنيا ومصائبها، لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا، فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظًا لصحة عبوديته، واستفراغًا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة، فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه كما قيل:
قد يُنعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
فلولا أنه -﷾- يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا وتجبروا في الأرض، وعاثوا فيها بالفساد، فإن من شيم النفوس إذا حصل لها أمرٌ ونهي، وصحة وفراغ، وكلمة نافذة من غير زاجر شرعي يزجرها، تمردت وسعت في الأرض فسادًا مع علمهم بما فُعل بمن قبلهم، فكيف لو حصل لهم مع ذلك إهمال؟ ! ولكن الله ﷾ إذا أراد بعبده خيرًا سقاه
_________________
(١) حلية الأولياء ١/ ١٨١.
[ ٣٢ ]
دواءً من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، يستفرغ منه الأدواء المهلكة، حتى إذا هذبه ونقاه، وصفّاه، أهله لأشرف مراتب الدنيا وهى عبوديته، ورقّاه أرفع ثواب الآخرة وهى رؤيته (١).
وهذا أبو الدرداء يُعلمنا بثلاثة أمور تُضعف الإنسان وتجعله قريبًا إلى خالقه فقال: ثلاثة أحبهن ويكرههن الناس: الفقر والمرض والموت، أحب الفقر تواضعًا لربي، والموت اشتياقًا لربي، والمرض تكفيرًا لخطيئتي (٢).
وقال بعض السلف: ثلاثة يُمتحن بها عقول الرجال: كثرة المال، والمصيبة، والولاية (٣).
وقال يزيد بن ميسرة: إن العبد ليمرض المرض، وما له عند الله من عمل خير، فَيُذَكِّره الله سبحانه بعض ما سلف من خطاياه، فيخرج من عينه مثل رأس الذباب من الدمع من خشية الله، فيبعثه الله إن بعثه مطهرًا، أو يقبضه إن قبضه مطهرًا (٤).
ولا يصيب العبد من المصائب إلا بذنوبه قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
هذا محمد بن سيرين يقول لما ركبه الدين واغتم لذلك: إني
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ٣٤.
(٢) السير ٢٠/ ١٤٩.
(٣) تسلية أهل المصائب ١٧.
(٤) عدة الصابرين ١٥٠.
[ ٣٣ ]
لأعرف هذا الغم بذنب أحدثته منذ أربعين سنة (١).
وهو سبحانه بمنه وكرمه يعفو عن كثير وإلا لو كانت مصائبنا على قدر ذنوبنا لعظمت وكثرت.
أخي المسلم:
ينبغي للعبد أن لا ينكر في هذه الدنيا وقوع هذه المصائب على اختلاف أنواعها، وما استخبر العقل والنقل أخبراه بأن الدنيا مارستان المصائب، وليس فيه لذةٌ على الحقيقة إلا وهى مشوبة بالكدر، فكلُ ما يظن في الدنيا أنه شراب فهو سراب وعمارتها وإن حسنت صورتها خراب، وجمعها فهو للذهاب، ومن خاض الماء الغمر لم يخل من بلل، ومن دخل بين الصفين لم يخل من وجل، فالعجب كل العجب ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع، وأعجب منه من يطلب من المطبوع على الضِّر النفع.
أخي:
طُبعت على كدرٍ وأنت تريدها صفوًا من الأقذاء والأكدار
قال أبو الفرج الجوزي: ولولا أن الدنيا دار ابتلاء لم تعتور فيها الأمراض والأكدار، ولم يضق العيش فيها على الأنبياء والأخيار، فآدم يعاني المحن إلى أن خرج من الدنيا، ونوح بكى ثلاثمائة عام، وإبراهيم يكابد النار وذبح الولد، ويعقوب بكى حتى
_________________
(١) حلية الأولياء ٢/ ٢٧١.
[ ٣٤ ]