رخاء (١).
كان عروة بن الزبير قد صحب معه بعض أولاده وكان من جملتهم ابنه محمد، وكان أحبهم إليه، فدخل دار الدواب فرفسته فرسٌ فمات، فأتوه، فعزوه فيه فقال: الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحدًا وأبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، ولئن كنت قد أخذت فطالما أعطيت (٢).
مكانة الصبر عظيمة يقول عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبده نعمة فانتزعها منه فعاضها مكانها الصبر إلا كان ما عوَّضه خيرًا مما انتزعه منه.
وعندما سئل الجنيد عن الصبر قال: هو تجرع المرارة من غير تعبس (٣).
والمصائب تنزل حولنا وتحف بنا .. كيف قلوبنا .. عامرةٌ بالصبر، عامرةٌ بالتقوى والرضا .. مستعدة لأشد بلاء يقابل المسلم .. ألا وهو الموت.
عزى صالح المري رجلًا قد مات ولده فقال: إن كانت مصيبتك أحدثت لك عظة في نفسك فنعم مصيبتك، وإن كانت لم تحدث لك عظة في نفسك فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك
_________________
(١) صيد الخاطر ٢٣٦.
(٢) البداية والنهاية ٩/ ١١٥.
(٣) تسلية أهل المصائب ١٩٣.
[ ٨٣ ]
بابنك (١).
ولنسمع عن فضل الله وإحسانه على عباده.
عن أبي بكر قال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء حتى في النكبة وانقطاع شسعه، والبضاعة تكون في كمه فيفقدها، فيفزع لها فيجدها في غبة (٢).
وقد مات لعقبة ابن يقال له: يحيى فلما نزل في قبره قال له رجل: والله إن كان لسيد الجيش فاحتسبه، فقال والده: وما يمنعني أن أحتسبه وكان من زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات (٣).
أخي الكريم: لينظر المصاب في كتاب الله وسنة رسول الله فيجد أن الله تعالى أعطى لمن صبر ورضي ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي .. ومن أنفع الأمور للمصاب. أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، وليعلم أنه في كل قرية ومدينة بل في كل بيت من أصيب فمنهم من أصيب مرة، ومنهم من أصيب مرارًا، وليس ذلك بمنقطع حتى يأتي على جميع أهل البيت حتى نفس المصاب فيصاب، أسوة أمثاله ممن تقدمه، فإنه إن نظر يمنة فلا يرى إلا محنة، وإن نظر يسرة
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ١٢٨.
(٢) تاريخ الخلفاء ٩٦.
(٣) تسلية أهل المصائب ٤٢.
[ ٨٤ ]
فلا يرى إلا حسرة (١).
فإذا علم المصاب أنه لو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه فسرور الدنيا أحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا ساءت دهرًا، وإن متعت قليلًا منعت طويلًا وما ملأت دارًا حبرة إلا ملأتها عبرة، وما حصلت للشخص في يوم سرورًا، إلا خبأت له في يوم شرورًا (٢).
عن الأحوص قال: دخلنا على ابن مسعود - ﵁ - وعنده بنون له ثلاثة غلمان كأنهم الدنانير فجعلنا نتعجب من حسنهم فقال: كأنهم يغبطونني؟ قلنا أي والله لبمثل هؤلاء يغبط المسلم فرفع رأسه إلى سقف البيت وقد عشعش فيه خطاف وباض فقال: والذي نفسي بيده لأن أكون قد نفضت يدي من تراب قبورهم أحب إليَّ من أن يسقط عش هذا الخطاف وينكسر بيضه، ثم قال: ما أصبحت على حال فتمنيت أني على سواها (٣).
وقال عمر بن ميمون بن مهران: كنت مع أبي ونحن نطوف بالكعبة، فلقى أبي شيخًا فعانقه أبي، ومع الشيخ فتى قريبًا مني، فقال له أبي: من هذا؟ قال: ابني، فقال: وكيف رضاك عنه؟ قال: ما
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ٢٠.
(٢) تسلية أهل المصائب ٢١.
(٣) تسلية أهل المصائب ٤٥.
[ ٨٥ ]
بقيت خصلة يا أبا أيوب من خصال الخير إلا وقد رأيتها فيه إلا واحدة، قال: وما هى؟ قال: كنت أحب أن يموت وأوجر فيه!
قال: ثم فارقه أبي، قال: فقلت لأبي من هذا الشيخ؟ قال: هذا مكحول (١).
هذا يحيى بن معاذ يقول في درر من الكلام: ابن آدم .. ما لك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت، وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت (٢)؟
قال بعض السلف وقد سأله رجل فقال: عظني؟ ! فقال: انظر منك إلى آدم هل ترى منهم عينٌ تطرف؟ فقال حسبك (٣).
كتب الموت على الخلق فكم فل من جيش وأفنى من دول
قال عبدالرحمن بن عوف -﵁-: أبتلينا بالضراء فصبرنا وأبتلينا بالسراء فلم نصبر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (٤).
وقال الزجاج .. أعلمهم الله -﷿- أن الأموال والأولاد
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ٤٦.
(٢) تسلية أهل المصائب ٤٠.
(٣) تسلية أهل المصائب ٤٠.
(٤) منهاج القاصدين ٢٩٦.
[ ٨٦ ]
مما يفتنون به، وهذا عام في جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه، وتناول الحرام لأجله، ووقع في العظائم إلا من عصمه الله تعالى (١).
عن يعلى بن الوليد قال: لقيت أبا الدرداء فقلت: ما تحب لمن تُحب؟ قال: الموت، قلت: فإن لم يمت؟ قال: يقل ماله
وولده (٢).
ومما يسلي العبد قول بعض الحكماء .. قد مات كل نبي، ومات كل نبيه ولبيب وفقيه وعالم، فلا تجزع ولا يوحشنك طريق الخلائق فيها (٣).
أخي .. كلنا سائرون في طريق نهايته معروفة .. الموت هادم اللذات ولكن
اصبر لكل مصيبةًَ وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد
أو ما ترى أن المصائب جمة وترى المنية للعباد بمرصد
من لم يصب ممن ترى بمصيبة هذا سبيل لست عنه بأوحد
_________________
(١) إغاثة اللهفان ٢/ ١٦٠.
(٢) السير ٢/ ٣٤٩.
(٣) تسلية أهل المصائب ٤٠.
[ ٨٧ ]
وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها
فاذكر مصابك بالنبي محمد (١)
فمن أعظم مصائبنا التي نحتسبها عند الله موته - ﷺ - ومن أعظم البشارات لمن أصيب بمصيبة فذكرها بعد مدة طويلة فجدد لها استرجاعًا وصبرًا، ما له عند الله من الأجر كلما ذكرها واسترجع. قال - ﷺ -: "ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها فيحدث لذلك استرجاعًا إلا جدد الله له عنه ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب" بها.
مات لرجل من السلف ولدٌ، فعزاه سفيان بن عيينة وآخرون وهو في حزن شديد حتى جاءه الفضيل بن عياض فقال: يا هذا أرأيت لو كنت في سجن وابنك، فأفرج عن ابنك قبلك أما كنت تفرح؟ قال: بلى قال: فإن ابنك خرج من سجن الدنيا قبلك، فسرى عن الرجل وقال: تعزيت (٢).
وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في "عيون الحكايات" قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق، فقصدناها فسلمنا فإذا امرأة ترد علينا السلام، قالت: وما أنتم؟ قلنا: قوم ضالون عن الطريق، أتيناكم فأنسنا بكم فقالت: يا هؤلاء ولُّو وجوهكم عني حتى أقضي من
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ٢٥.
(٢) تسلية أهل المصائب ١٢٠.
[ ٨٨ ]
حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فألقت لنا مسحًا فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها إلى أن رفعتها فقالت: أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس بابني، فوقف الراكب عليها، فقال: يا أم عقيل، أعظم الله أجرك في عقيل، قالت ويحك مات ابني؟ قال: نعم قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت الإبل فرمت به في البئر، فقالت: انزل فاقض ذمام القوم، ودفعت إليه كبشًا فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكّورت فقالت: يا هؤلاء: هل منكم من أحد يُحسن من كتاب الله شيئًا؟ قلت نعم، قالت: اقرأ عليَّ من كتاب الله آيات أتعزى بها، قلت يقول الله -﷿- في كتابه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قالت: الله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: الله إنها لفي كتاب الله هكذا، قالت: السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعات ثم قالت: "إنا لله وإنا إليه راجعون" عند الله أحتسب عقيلًا، تقول ذلك ثلاثًا، اللهم إني فعلت ما أمرتني به فانجز لي ما وعدتني (١).
وعن مسلم بن يسار قال: قدمت البحرين، فأضافتني امرأة لها بنون ورقيق ومال ويسار فكنت أراها محزونة، فلما خرجت من
_________________
(١) تسلية أهل المصائب ١٩٤.
[ ٨٩ ]
عندها قلت لها ألك حاجة؟ قالت: نعم. إن أنت قدمت بلدتنا هذه أن تنزل عليّ، فغبت عنها كذا وكذا سنة، ثم أتيتها فلم أر ببابها أنيسًا، فاستأذنت عليها فإذا هي ضاحكة مسرورة، قلت لها ما شأنك؟ قالت: إنك لما غبت عنا لم نرسل في البحر شيئًا إلا غرق، ولا في البر شيئًا إلا عطب، وذهب الرقيق ومات البنون، فقلت لها: يرحمك الله رأيتك محزونة في ذلك اليوم ومسرورة في هذا اليوم؟ فقالت: نعم إني لما كنت فيه من سيئة الدنيا خشيت أن يكون الله قد عجل حسناتي في الدنيا، فلما ذهب مالي وولدي ورقيقي رجوت أن يكون الله قد أدخر لي عنده خيرًا ففرحت (١).
اعلم أخي الكريم أن الرضا بالمصائب أشق على النفوس من الصبر، وقد تنازع العلماء والمشايخ في الرضا بالقضاء هل هو واجب أو مستحب، على قولين فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين، وعلى الثاني يكون من أعمال المقربين ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فالعبد قد يصبر على المصيبة ولا يرضى بها، فالرضا أعلى من مقام الصبر، لكن الصبر اتفقوا على وجوبه والرضا اختلفوا في وجوبه، والشكر أعلى من مقام الرضا، فإنه يشهد المصيبة نعمة، فيشكر المبلى عليها قال عبدالواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا وسراج العابدين (٢).
فعليك أخي: بالشكر لما قضى وقدر والرضى بما جرى
_________________
(١) تنبيه الغافلين ١٣٤.
(٢) تسلية أهل المصائب ٢٠٨.
[ ٩٠ ]
والصبر على ما كان .. فإن للبلايا مهما طالت نهايات مقدرة عند الله ﷿.
وتأمل في قول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فإن في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن من أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعواقب، فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد، وأوجب له ذلك أمورًا:
منها: أنه لا أنفع له من امتثال الأمر وإن شق عليه في الابتداء، لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذاتٌ وأفراح، وإن كرهته نفسه فهو خيرٌ لها وأنفع، ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور والرضا بما يختاره له ويقضيه له، لما يرجو فيه من حسن العاقبة.
ومنها: أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه، ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم، فلا يختار على ربه شيئًا. بل يسأله حسن الاختيار له، وأن يرضيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك.
ومنها: أنه إذا فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له، أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم
[ ٩١ ]