للحسد المذموم مداخل كثيرة وأسباب عديدة:
السبب الأول: العداوة والبغضاء، وهذا أشد أسباب الحسد، فإن من آذاه شخص بسبب من الأسباب وخالفه في غرض بوجه من الوجوه أبغضه قلبه وغضب عليه وسنح في نفسه الحقد، والحقد يقتضي منه التشفي والانتقام، فإن عجز المتنغص عن أن يتشفى بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان.
السبب الثاني: التعزز وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره. فإذا أصاب بعض أمثاله ولايةً أو علمًا أو مالًا خافَ أن يتكبر عليه وهو لا يطيق تكبره، ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه وتفاخره عليه، وليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره، فإنه قد رضي بمساواته مثلًا، ولكن لا يرضى بالترفع عليه.
السبب الثالث: الكبر، وهو أن يكون في طبعه
[ ٥٧ ]
أن يتكبر عليه ويستصغره ويستخدمه ويتوقع منه الانقياد له والمتابعة في أغراضه، فإذا نال نعمة خاف أن لا يحتمل تكبره ويترفع عن متابعته، بل لربّما يتشوّف إلى مساواته أو إلى أن يترفع عليه فيعود متكبِّرًا بعد أن كان متكبَّرًا عليه.
السبب الرابع: التعجب، كما أخبر الله تعالى عن الأمم السالفة إذ قالوا: (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) (يّس:١٥) (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) (المؤمنون:٤٧) (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) (المؤمنون:٣٤). فتعجبوا من أن يفوز برتبة الرسالة والوحي والقرب من الله تعالى بشر مثلهم فحسدوهم، وأحبوا زوال النبّوة عنهم جزعًا أن يفضل عليهم مَنْ هو مثلهم في الخلقة، لا عن قصد تكبر وطلب رياسة وتقدّم عداوة أو سبب آخر من سائر الأسباب، وقالوا متعجبين: (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا) (الاسراء:٩٤) وقالوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ) (الفرقان:٢١). وقال تعالى: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ
[ ٥٨ ]
مِنْكُمْ) (لأعراف:٦٣)
السبب الخامس: الخوف من فوت المقاصد، وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد، فإن كلّ واحد يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عونًا له في الانفراد بمقصوده، ومن هذا الجنس تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإِخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلب الأبوين للتوصل به إلى مقاصد الكرامة والمال.
السبب السادس: حب الرياسة وطلب الجاه بأن يكون منفردًا عديم النظير غير مشارك في المنزلة، يسوؤه وجود مناظر له في المنزلة. وليس السبب في هذا عداوة ولا تعزز ولا تكبر على المحسود ولا خوف من فوات مقصود سوى محض الرياسة بدعوى الانفراد.
السبب السابع: خبث النفس وشُحها بالخير لعباده الله بحيث يشق عليه أن يوصف عنده حُسن حال عبد فيما أنعم عليه، ويفرح بذكر فوات مقاصد
[ ٥٩ ]
أحد واضطراب أموره وتنغص عيشه، فهو أبدًا يحب الأدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته، وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس ورذالة في الطبع.