فينبغي عليك أيها الطالب العلم الحذر منهم، فإنك لا تعرف الشر إلا ممن تعرفه أما الصديق فيُعينك، وأما المجهولين فلا يتعرضون إليهم. وإنما الشر كله من المعارف الذين يظهرون لك الصداقة بألسنتهم، فأقلل من المعارف ما قدرت فإذا بليت بهم في مدرسة أو جامع أو مسجد أو سوق فلآداب مجالستهم:
١ - ألا تستصغر منهم أحدًا، فإنك لا تدري لعله خير منك.
٢ - لا تنظر إليهم بعين التعظيم لهم في حال دنياهم فتهلك لأن الدنيا صغيرة عند الله صغير ما فيها.
٣ - إياك أن تبذل لهم دينك لتنال به من ديناهم، فلا يفعل ذلك أحد إلا صغر في أعينهم، ثم حُرم ما عندهم.
[ ٢٠٨ ]
٤ - إن عادوك فلا تقابلهم بالعداوة، فإنك لا تطيق الصبر على مكافأتهم فيذهب دينك في عداوتهم، ويطول عناؤك معهم.
٥ - لا تركن إليهم في حال إكرامهم إياك وثناؤهم عليك في وجهك، فإنك إن طلبت حقيقة ذاك لم تجد في المائة وادًا.
٦ - ألا تتعجب أن ثلبوك في غيبتك، ولا تغضب منهم فإنك إن أنصفت وجدت من نفسك مثل ذلك حتى في أصدقائك وأقاربك فإنك تذكرهم في الغيبة بما لا تشافههم به.
٧ - إذا سألت واحدًا حاجة فقضاها، فاشكر الله تعالى وأشكره وإن قصر فلا تعاتبه، ولا تشكه فتصير عداوات، وكن المؤمن يطلب المعاذير ولا تكن المنافق يطلب العيوب، قل لعله قصر لعذر له لم أطلّع عليه.
[ ٢٠٩ ]
٨ - ولا تعظن أحدًا منهم ما لم تتوسم فيه القبول، وإلا لم يسمع منك وصار خصمًا عليك.
٩ - إذا رأيت منهم كرامة وخيرًا، فاشكر الله الذي حببك إليهم، وإذا رأيت منهم شرًا فكلهم إلى الله تعالى، واستعذ بالله من شرهم، وأعلم أن الله لا يسلطهم عليك إلا بذنب سبق منك، فاستغفر الله من ذنبك، واعلم أن ذلك عقوبة من الله تعالى لك.
١٠ - احذر مخالطة متفقة الزمان، لا سيما المشتغلين بالخلاف والجدال فاحذر منهم فإنهم يتربصون بك لحسدهم عليك، ويحصون عليك عثراتك في عشرتهم، حتى يواجهك بها في حال غيظهم ومناظرتهم، فإنهم لا يقيلون لك عثرة، ولا يغفرون لك زلة، ولا يسترون لك عورة. يحاسبونك على النقير والقطمير، ويحسدونك على القليل
[ ٢١٠ ]
والكثير، ويحرضون عليك الإخوان بالنميمة والبلاغات والبهتان، ظاهرهم ثياب، وباطنهم ذئاب! هذا ما قطعت به المشاهدة على أكثرهم إلا من عصمه الله تعالى، فصحبتهم خسران ومعاشرتهم خذلان.
هذا حكم من يظهر لك الصداقة فكيف من يجاهرك بالعداوة، قال القاضي ابن معروف رحمه الله تعالى:
فَاحذَر عَدوكَ مَرَة وَاحذَر صَديقَكَ أَلفَ مَرَة
فَلَرُبَما اِنقَلَبَ الصَديقُ فَكانَ اَعرَف بِالمَضَرَة
وكذلك قال أبو تمام:
عَدوُكَ مِن صَديقِكَ مُستَفاد فَلا تَستَكثرِنَ مِنَ الصَحابِ
[ ٢١١ ]
فَإِنّ الدَاءَ أَكثَرَ ما تَراهُ يَكون مِنَ الطَعامِ أو الشَرابِ