ينبغي على الطالب العلم أن يصحح ما يقرؤه قبل حفظه تصحيحًا متقنًا إما على شيخه أو على غيره مما يعينه ثم يحفظه بعد ذلك حفظًا محكمًا ثم يتعاهده في أوقات يقررها.
قال الأمام النووي رحمه الله تعالى: «وَيَعْتَنِيَ بِتَصْحِيحِ دَرْسِهِ الَّذِي يَتَحَفَّظُهُ، تَصْحِيحًا مُتْقَنًا عَلَى الشَّيْخِ، ثُمَّ يَحْفَظُهُ حِفْظًا مُحْكَمًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُكَرِّرُهُ مَرَّاتٍ لِيَرْسَخَ رُسُوخًا مُتَأَكَّدًا، ثُمَّ يُرَاعِيه بِحَيْثُ لاَ يَزَالُ مَحْفُوظًا جَيِّدًا.
وَيُدَاوِمُ عَلَى تَكْرَارِ مَحْفُوظَاتِهِ، وَلاَ يَحْفَظُ ابْتِدَاءً مِنْ الْكُتُبِ اسْتِقْلاَلًا، بَلْ يُصَحِّحُ عَلَى الشَّيْخِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَالاِسْتِقْلاَلُ بِذَلِكَ مِنْ أَضَرِّ الْمَفَاسِدِ.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّافِعِيُّ -﵀- بِقَوْلِهِ: «مَنْ تَفَقَّهَ مِنْ الْكُتُبِ ضَيَّعَ الأحْكَامَ» (١).
_________________
(١) انظر: المجموع للإمام النووي (بتصرفٍ يسير) (١/ ٦٩).
[ ١٨٠ ]
وذكر العلامة محمد السفاريني الحنبلي - رحمه الله تعالى - في غذاء الألباب مراتب التعلم وحرمانه فقال: «وَاعْلَمْ أَنَّ لِلتَّعَلُّمِ سِتَّ مَرَاتِبَ:
(أَوَّلُهَا): حُسْنُ السُّؤَالِ.
(ثَانِيهَا): حُسْنُ الْإِنْصَاتِ وَالاِسْتِمَاعِ.
(ثَالِثُهَا): حُسْنُ الْفَهْمِ.
(رَابِعُهَا): الْحِفْظُ.
(خَامِسُهَا): التَّعْلِيمُ.
(سَادِسُهَا): وَهِيَ الثَّمَرَةُ الْعَمَلُ بِهِ وَمُرَاعَاةُ حُدُودِهِ.
وَحِرْمَانُ الْعِلْمِ يَكُونُ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ:
(أَحَدُهَا): تَرْكُ السُّؤَالِ.
(الثَّانِي): سُوءُ الإنْصَاتِ وَعَدَمُ إلْقَاءِ السَّمْعِ.
(الثَّالِثُ): سُوءُ الْفَهْمِ.
[ ١٨١ ]
(الرَّابِعُ): عَدَمُ الْحِفْظِ.
(الْخَامِسُ): عَدَمُ نَشْرِهِ وَتَعْلِيمِهِ، فَمَنْ خَزَّنَ عِلْمَهُ وَلَمْ يَنْشُرْهُ ابْتَلاهُ الله بِنِسْيَانِهِ جَزَاءً وِفَاقًا.
(السَّادِسُ): عَدَمُ الْعَمَلِ بِهِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ يُوجِبُ تَذَكُّرَهُ وَتَدَبُّرَهُ وَمُرَاعَاتَهُ وَالنَّظَرَ فِيهِ، فَإِذَا أَهْمَلَ الْعَمَلَ بِهِ نَسِيَهُ».
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «كُنَّا نَسْتَعِينُ عَلَى حِفْظِ العِلمِ بالعَمَلِ بِهِ».
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «العِلمُ يَهتِفُ بِالعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلاّ ارْتَحَلَ، فَمَا اسْتَدَرَّ الْعِلْمُ وَاسْتُجْلِبَ بِمِثْلِ العَمَلِ بِهِ». انتهى (١).
******