ينبغي لطالب العلم أن يصبِر على جفوةٍ تصدُرُ من شيخه أو سُوءِ خُلُقٍ، ولا يصدّه ذلك عن ملازمته
_________________
(١) انظر: المجموع للإمام النووي، (١/ ٤٧ - ٤٨).
[ ١٥٨ ]
وحسنِ عقيدته، ويتأوّلُ أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار والتوبة مما وقع، وينسب الموجب إليه، ويجعل العتب عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، وأنفع للطالب في دنياه وآخرته.
فعن الزهري قال: «كان أبو سلمة يماري ابن عباس فحُرم بذلك علمًا كثيرًا». وقال أبو عمر: روينا من وجوه كثيرة عن أبي سلمة أنه قال: «لو رفقت بابن عباس لاستخرجت منه علمًا كثيرًا» (١).
قال الإمام النووي -﵀ تعالي- في المجموع: «وينبغي أن يصبِر على جفوة شيخه، وسُوء خُلُقه، ولا يصُدُّهُ ذلك عن مُلازمته واعتقاد كماله، ويتأوّل لأفعاله الَّتي ظاهرُها الفسادُ تأوِيلاتٍ صحِيحةً، فما يعجزُ عن ذلك إلا قليلُ التَّوفيق.
_________________
(١) انظر: مختصر جامع بيان العلم وفضله للإمام ابن عبد البر ﵀ (ص ١١٦).
[ ١٥٩ ]
وإذا جفاهُ الشَّيخُ ابتدأ هو بِالاعتذارِ، وأَظهر أنَّ الذَّنب لهُ، والعتب عليهِ، فذلك أَنفعُ لهُ دينًا ودنيا، وأبقى لقلب شيخه.
وقد قالُوا: من لم يصبِر على ذُلِّ التَّعَلُّمِ بقي عُمُرَهُ فِي عماية الجهالة، ومن صبر عليه آلَ أمرُهُ إلى عِزِّ الآخرة والدُّنيا.
ومنه الأثرُ المشهُورُ عن ابنِ عَبَّاسٍ -﵄-: «ذُلِلْتُ طَالِبًا فَعُزِّزْتُ مَطْلُوبًا» (١).
وكان الشافعي يقول: كان يختلف إلى الأعمش رجلان، أحدهما كان الحديث من شأنه، والآخرُ لم يكن الحديث من شأنه، فغضب الأعمش يومًا على الذي من شأنه الحديث، فقال الآخر: «لو غضب عليّ كما غضب عليك لم أعُدْ إليه فقال الأعمش: إذن هو أحمق مثلك، يترك ما ينفعه لسوء خُلُقي»
وقال الشافعي: «قيل لسفيان بن عيينة: إن
_________________
(١) انظر: المجموع للإمام النووي (١/ ٦٨) وأدب الدنيا والدين للماوردىّ (ص ٧٥).
[ ١٦٠ ]
قومًا يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم؟ يوشك أن يذهبوا ويتركوك. قال: هم حمقى إذن مثلك أن يتركوا ما ينفعهم لسوء خُلُقي» (١).
وقال بعضهم:
أصْبِرْ لِدَائِك إنْ جَفَوْت طَبِيبَهُ وَاصْبِرْ لِجَهْلِك إنْ جَفَوْت مُعَلِّمَا
وقال الإمام الشافعي (٢) - رحمه الله تعالى -
اِصبِر عَلى مُرِّ الجَفا مِن مُعَلِّمٍ فَإِنَّ رُسوبَ العِلمِ (٣) في نَفَراتِهِ
وَمَن لَم يَذُق مُرَّ التَعَلُّمِ ساعَةً تَجَرَّعَ ذُلَّ الجَهلِ طولَ حَياتِهِ
_________________
(١) انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، (ص ١٠٤).
(٢) انظر: ديوان الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- للأستاذ نعيم زرزور، (ص ٣٩).
(٣) رسوب العلم: حفظه وبقاؤه.
[ ١٦١ ]
* وقد رجَّح كثيرٌ من الحكماء حقَّ العالم على حقِّ الوالد حتَّى قال بعضهم (١):
يَا فَاخِرًا لِلسَّفَاهِ بِالسَّلَفِ وَتَارِكًا لِلْعَلاءِ وَالشَّرَفِ
آبَاءُ أَجْسَادِنَا هُمْ سَبَبٌ لأنْ جُعِلْنَا عَرَائِضَ التَّلَفِ
مَنْ عَلَّمَ النَّاسَ كَانَ خَيْرَ أَبٍ ذَاكَ أَبُو الرُّوحِ لا أَبُو النُّطَفِ
******