اعلم أن الله تعالى لما خلق الحيوان معّرضًا للفساد والموت، بأسباب في داخل بدنه وأسباب
_________________
(١) رواه مسلم - كتاب البر والصلة والآداب- باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب (٤/ ٢٠١٤). ط دار إحياء التراث العربي - بيروت
(٢) الشديد: أي القوي. والصرعة: هو الذي يصرع الرجال بقوته.
(٣) رواه البخاري - كتاب الأدب - باب الحذر من الغضب (٧/ ١٢٩).
[ ٨٦ ]
خارجة عنه، أنعم عليه بما يحميه من الفساد ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم سماه في كتابه.
أما السبب الداخلي: فهو أنه ركبه فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان وخلق في الحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء، ووكل قوى في داخله لجبر ما انكسر وسدِّ ما انثلم ليكون ذلك حافظًا له من الهلاك بهذا السبب.
وأما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الإِنسان: فكالسيف والسنان وسائر المهلكات التي يقصد بها، فافتقر إلى قوة وحمية تثور منه فتدفع المهلكات عنه، فخلق الله طبيعة الغضب، وغرزها في الإِنسان وعجنها بطينته. فمهما صدّ عن غرض من أغراضه ومقصود من مقاصده اشتعلت نار الغضب وثارت ثورانا يغلي به دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعمال البدن، كما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر، فلذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين، والبشرة لصفائها تحكي لون ما وراءها من
[ ٨٧ ]
حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها.
وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب بطلب الانتقام وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها. والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها وفيه لذتها، ولا تسكن إلا به.
ثم إن الناس في هذه القوة على درجات ثلاث من التفريط والإِفراط والاعتدال.
أما التفريط: فبفقد هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم، وهو الذي يقال فيه إنه لا حمية له. ولذلك قال الشافعي -﵀-: «من استغضب فلم يغضب فهو حمار». فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلًا فهو ناقص جدًا.
وأما الإِفراط: فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعته، ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكرة ولا اختيار، بل يصير في صورة المضطر.
[ ٨٨ ]
ففقد الغضب مذموم وإنما المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدين فينبعث حيث تجب الحمية وينطفيء حيث يحسن الحلم وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده وهو الوسط الذي وصفه رسول الله ﵌ حيث قال: «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا» (١).