اعلم أن العجب مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌. قال الله تعالى: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا) (التوبة:٢٥). ذكر ذلك في معرض الإنكار.
وقال ﷿: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ الله فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) (الحشر:٢). فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم.
قال الله تعالى: (ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ) (الحج:٩)
وقال تعالى: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) (النجم:٣٢).أي لا
[ ٦٤ ]
تعتقدوا أنها بارة.
وقال تعالى: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (الكهف:١٠٤). وهذا يرجع إلى العجب بالعمل وقد يعجب الإنسان بعمل وهو مخطيء فيه كما يعجب بعمل وهو مصيب فيه.
(والعُجب محبط للأعمال الصالحة مفسد للقلب، وهو من الأمراض القلبية الخبيثة التي تحرم طالب العلم التوفيق في العلم، «وذلك لأن المعجب يغتر بنفسه وبرأيه وإن أعجب برأيه وعمله وعقله منع ذلك من الاستفادة ومن الاستشارة والسؤال فيستبد بنفسه ورأيه، ويستنكف عن سؤال من هو أعلم منه) (١).
[فالعجب إنَّما يكون ويوجد من الإنسان لاستشعار وصف كمال، ومن أُعجب بعمله
_________________
(١) انظر: موعظة المؤمنين - من أحياء علوم الدين للشيخ محمد جمال الدين القاسمي (ص ٢٥٣ - ٢٥٤) بتصرفٍ.
[ ٦٥ ]
استعظمه فكأَنَّه يمُنُّ على الله - ﷾ - بطاعته، ورُبَّمَا ظنَّ أنَّها جَعَلت له عند الله موضعًا، وأنه قد استَوجَب بها جزاءً، ويكُونُ قد أهلك نفسه، فقد قال ﵊: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحُّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» (١). ورُبَّمَا منعه عُجْبُهُ من الازدياد، ولهذا قالوا: عُجْبُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ] (٢).
[قال علي ﵁: «الإعجاب آفة الألباب».
وقال غيره: «إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله».
وقالوا: «من أعجب برأيه ضلّ، ومن استغن بعقله زلَّ، ومن تكبَّر على الناس ذلَّ، ومن خالط
_________________
(١) قال الحافظ العراقي في تخرجه الإحياء، كتاب العلم الباب الثالث، أخرجه البزار والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الشعب من حديث أنس بإسناد ضعيف.
(٢) انظر: غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفاريني، مطلب: في بيان منشأ العجب (٢/ ٢٢٦).
[ ٦٦ ]
الأنذال صُغِّر، ومن جالس العلماء وِقِّرَ»] (١).
وقال مالك بن دِينَارٍ: «كَيْفَ يَتِيهُ مَنْ أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ يَحْمِلُ الْعَذِرَةَ» (٢).
وقال الشَّاعر:
وَمَنْ أَمِنَ الآفَاتِ عَجَبًا بِرَأْيِهِ أَحَاطَتْ بِهِ الآفَاتُ مِنْ حَيْثُ يَجْهَلُ