إن الحلم هو طمانينة النفس، بحيث لا يحركها الغضب بسهولة ولا يزعجه المكروه بسرعة، فهو الضد الحقيقي للغضب، لأنه المانع من حدوثه، وبعد هيجانه لما كان كظم الغيظ مما يضعفه ويدفعه، فمن هذه الحيثية يكون كظم الغيظ أيضا ضدا له.
فنحن نشير إلى فضيلة الحلم وشرفه، ثم إلى فوائد كظم الغيظ ومنافعه.
أما (الحلم) - فهو أشرف الكمالات النفسانية بعد العلم، بل لا ينفع العلم بدونه أصلا، ولذا كلما يمدح العلم أو يسأل عنه يقارن به، قال رسول الله ﵌: «اللَّهُمَّ أَغْنِنِي بِالْعِلْمِ، وَزَينِي بِالْحِلْمِ» (١).
وقال ﵌: «خَمْسٌ مِنْ
_________________
(١) رواه ابن النجار عن ابن عمر. انظر: كنز العمال (٢/ ٨١). رقم- (٣٦٦٣)
[ ١٠٠ ]
سُنَنِ المُرْسَلِينَ -وعد منها- الحَيَاءُ» (١).
* وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ﵌: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا وَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ». قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قال: «تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوا عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ»
قال: فإذا فعلت ذلك فما لي يا رسول الله؟
قال: «أن تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا ويُدخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ» (٢).
* وقال رسول الله ﵌: «أَلَا أُنْبِئَكُمْ بِمَا يُشْرِفُ الله تعالى بِهِ الْبُنْيَانَ وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟»
قَالُوا: بَلى يَا رَسُولَ الله؟
_________________
(١) رواه الطبراني، انظر: مجمع الزوائد للهيثمي، كتاب الطب، باب التداوي بالعسل والحجامة وغير ذلك. (٥/ ١٥٢) ط دار الفكر، بيروت.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك، (٥/ ٥٦٣) ط دار إحياء التراث العربي، مصر.
[ ١٠١ ]
قَالَ: «أن تَحْلُمُ عَلَى مَنْ جَهِلَ عَلَيْك، وَأن تَصِلُ مَنْ قَطَعَك، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَك، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَك» (١).
* وقال رسول الله ﵌: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْرِكُ بِالْحِلْمِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» (٢).
* وقال رسول الله ﵌: «مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ وَاحِدَةٌ من ثَلاثٍ فَلا يَجنِي مِنِْ عَمَلِهِ: تقوى تحْجُزُهُ عَنْ عن معاصي الله، أَوْ حِلْمٌ يَكُفُ بِهِ سفيها، أَوْ خُلُقٌ يَعيِشُ بِهِ في النَّاسِ» (٣).
_________________
(١) رواه الطبراني، عن عبادة بن الصامت﵁- انظر: مجمع الزوائد للهيثمي، كتاب البر والصلة، باب مكارم الأخلاق والعفو عمن ظلم، (٨/ ٣٤٥).
(٢) رواه الطبراني في الأوسط عن علي بن أبي طالب﵁-، انظر: مجمع الزوائد للهيثمي، كتاب الأدب، باب ما جاء في حسن الخلق، (٨/ ٥٣) ط دار الفكر، بيروت.
(٣) رواه الطبراني عن أم سلمة -﵂-، انظر: مجمع الزوائد للهيثمي، كتاب البر والصلة، باب مكارم الأخلاق والعفو عمن ظلم، (٨/ ٣٤٧) ط دار الفكر، بيروت.
[ ١٠٢ ]
* وقال رسول الله ﵌: «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ اسْتَوْجَبَ الثَّوابَ واسْتَكْمَلَ الإِيمانَ: خُلُقٌ يَعيِشُ بِهِ في النَّاسِ، ووَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ محارِمِ الله تعالى، وحِلْمٌ يَرُدُّهُ عَنْ جهْلِ الجاهِل» (١).
وأما كظم الغيظ - فهو وان لم يبلغ مرتبة الحلم فضيلة وشرفا، لأن كظم الغيظ عبارة عن (التحلم) أي: تكلف الحلم - ولكن إذا تعود ذلك مدة صار ذلك اعتيادا فلا يهيج الغيظ وإن هاج فلا يكون في كظمه تعب. وهو الحلم الطبيعي. - ولكن ابتداؤه التحلم وكظم الغيظ تكلفا ولذا قال رسول الله ﵌: «إِنَّما الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ» (٢).
_________________
(١) رواه البزار عن أنس﵁-، انظر: مجمع الزوائد للهيثمي، كتاب الإيمان، باب في كمال الإيمان، (١/ ٢١٩) ط دار الفكر، بيروت.
(٢) رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي الدرداء -﵁-، انظر: مجمع الزوائد للهيثمي، كتاب العلم، باب العلم بالتعلم، (١/ ٣٤٠) ط دار الفكر، بيروت.
[ ١٠٣ ]
وأشار بهذا إلى أن اكتساب الحلم طريقه التحلم أولًا وتكلفه. كما أن اكتساب العلم طريقه التعلم.
فمن لم يكن حليمًا بالطبع لا بد له من السعي في كظم الغيظ عند هيجانه، حتى تحصل له صفة الحلم.
وقد مدح الله سبحانه كاظمي الغيظ في محكم كتابه: