قال الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى-: بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني -رحمه الله تعالى- وكان من الراسخين في العلم العاملين به أنه قال: دعوت الله سبحانه ثلاثين سنة أن يرزقني توبة نصوحًا ثم تعجبت في نفسي فقلت: سبحان الله حاجة دعوت الله فيها ثلاثين سنة فما قضيت إلى الآن، فرأيت فيما يرى النائم كأن قائلًا يقول لي: أتعجب من ذلك أتدري ماذا تسأل الله؟ إنما تسأل الله سبحانه أن يحبك، أما سمعت قوله ﷻ: (إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة:٢٢٢) أفهذه حاجة هينة.
فانظر إلى هؤلاء الأئمة واهتمامهم ومواظبتهم على صلاح قلوبهم والتزود لمعادهم، فناقش نفسك وحاسبها وسارع إلى التوبة بادر فإن الأجل مكتوم والدنيا غرور والنفس والشيطان عدوان، وتضرع إلى الله سبحانه وابتهل إليه واذكر حال أبينا آدم -عليه
[ ١٢٢ ]
السلام- الذي خلقه الله بيده ونفخ من روحه لم يذنب إلا ذنبًا واحدًا فنزل به ما نزل حتى أنه فيما روى بكى على ذنبه مئتي سنة حتى قبل الله توبته وغفر ذنبه الواحد. هذا حاله مع نبيه وصفيه في ذنب واحد فكيف حال الغير في ذنوب لا تحصى وهذا تضرع التائب فكيف المصر المتعسف. وقد أحسن من قال:
يخاف على نفسه من يتوب فكيف ترى حال من لا يتوب (١)
نسأل الله التوبة النصوح بوجهه الكريم آمين.
_________________
(١) انظر منهاج العابدين للإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- (ص ١٢ - ١٣) ط دار إحياء الكتب العربية بتصرف. وانظر كتاب التوابين للإمام الفقيه الزاهد موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي -رحمه الله تعالى- استعرض فيه المؤلف أخبار التائبين وقصص المنيبين ممن كانوا في مختلف العصور القديمة والحديثة، من عهد آدم -﵇- إلى أوائل القرن السابع الهجري الذي كان فيه المؤلف - ﵀ - فا نظره.
[ ١٢٣ ]