الأحنف بن قيس فإنه كان يضرب به المثل في الحلم، فكان ذات يوم يحدث الناس إذ جاءه ابنه ومعه أخوه قد قتله ابن عمه والقاتل موثق بالحبال، فمضى في الحديث ولم يلتفت إلى ولده المقتول بل قال لولده الثاني الذي جاء بالقاتل والقتيل: «أطلق ابن عمِّكَ، وجهِّزْ أخاك وادفنْه، ثم اذهبْ إلى إبلي فخذْ منها مائة وأعطِها أُمَّهُ لتخفِّفَ من آلامها» ثم مضى في حديثه مع الناس.
ويروى عن الإمام الشافعي حين أراد أن يختبره الخياط، فخاط ثوبًا فجعل أحد كميه طويلًا، وترك الجهة الأخرى بدون كُم، فلما أخذه ولبسه، قال للخياط: «جزاك الله خيرًا» وأعطاه أجره مرتين.
ومما يحكى أن معن بن زائدة كان أميرًا على العراق، وكان حليمًا كريمًا يضرب به المثل فسمع به أعرابي فأراد أن يمتحن حلمه.
فقال الأعرابي:
[ ١٠٦ ]
أتذكر إذ لحافك جلد شاة وإذ نعلاك من جلد البعير
فقال معن: أذكر ولا أنساه.
فقال الأعرابي:
فسبحان الذي أعطاك ملكًا وعلمك الجلوس على السرير
فقال معن: ﷾.
فقال الأعرابي:
فلست مسلِّمًا إن عشت دهرًا على معنٍ بتسليم الأمير
فقال معن: يا أخا العرب! السلام سنة.
فقال الأعرابي:
سأرحل من بلاد أنت فيها ولو جار الزمان على الفقير
فقال معن: يا أخا العرب إن جاورتنا فمرحبًا
[ ١٠٧ ]
بك، وإن رحلت فمصحوبًا بالسلامة.
فقال الأعرابي:
فجد لي يا ابن ناقصة بشيء فإني قد عزمت على المسير
فقال معن: أعطوه ألف دينار ليستعين بها على سفره.
فأخذها وقال:
قليل ما أتيت به وإني لأطمع منك بالمال الكثير
فقال معن: أعطوه ألفًا آخرًا.
فأخذها وقال:
سألت الله أن يبقيك ذُخرًا فمالك في البرية من نظير
فقال معن: أعطوه ألفًا آخرًا.
فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين ما جئت إلا
[ ١٠٨ ]
مختبرًا حلمك، فقد جمع الله فيك من الحلم ما لو قُسّم على أهل الأرض لكفاهم:
فقال معن: يا غلام، كم أعطيته على نظمه؟
قال: ثلاثة آلاف دينار.
فقال: أعطه على نثره مثلها.
فانظر يا أخي وتأمل في فضائل الحلم وترك الغضب كيف يمثل الشجاعة وعلو الهمة وقوة القلب وضبط النفس (١).
******
_________________
(١) انظر: فتح الكريم المنان بشرح نفحة الرحمن نظم شعب الإيمان لشيخي العلامة أحمد جابر جبران -رحمه الله تعالى- (ص ٥٢ - ٥٣) بتصرف.
[ ١٠٩ ]