حَدّد اللهُ الخالقُ سبحانه صُوَر التعامل الواجب بين الناس والأخلاقَ المتعيّنة عليهم تجاه بعضهم بعضًا، كما حدّد الخُلق الواجبَ على المخلوقين تجاه الخالق سبحانه.
ومما أوضحه الله للناس طريقة معاملة المسلم لأخيه المسلم، سواء في حال خلافه أو في وفاقه معه.
فما الواجب بصورة عامّة على المسلم في تَعامله مع أخيه المخالف له؟
إنّ القاعدة العامّة الواجبةَ الاتّباعِ هنا هي: مراعاة الأخوّة بينهما، ومراعاة حقوق هذه الأخوّة، والتزام حُسْن الخُلق بصورة مطّردة، ومحبة الأخ لأخيه الخير كما يُحبُّه لنفسه، وتحريم أذيّته، وتحريم عِرْضه ودمه وماله. وفيما يلي النصوص الشرعية الدّالّةُ على هذه الواجبات والحقوق
[ ١٨٥ ]
بين المسلم وأخيه.
أ- الآيات في الموضوع:
فيما يلي بعض الآيات مِن كتاب الله تعالى الشاهدة بهذه المعاملة الواجبة شرعًا، فمنها قوله تعالى:
١- في تقرير مبدأِ الأخوّة الإيمانيّة بينهم جميعًا:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ ١.
٢- في وصْف النبيّ ﷺ والمؤمنين:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ ٢.
٣- في وصْف الأنصار مِن أصحاب النبيّ ﷺبعدَ أَن ذَكَر المهاجرين- وفي وصْفِ المؤمنين مِن بَعْدهم٣:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ
_________________
(١) ١ ١٠: الحجرات: ٤٩. ٢ ٢٩: الفتح: ٤٨. ٣ وهذا مِنْ معناه: أَنه يجِبُ أَن يكون المؤمنون مِن بَعْدهم هكذا، وأَن هذه صِفَتهم؛ فَلْيُحاسِبْ امرؤٌ نفْسهُ قِبْل أَن يَفوت وقت المُهلة ولا يَبقى إلا حسابُ الله تعالى العالمِ السرَّ والجهرَ على السَّوَاء!.
[ ١٨٦ ]
كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَاغِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ١ ويُلاحَظُ العموم في الذين آمنوا، والتنكير في غِلًاّ لِيَصْدقَ على أي غِلٍّ ولو قليلًا!!.
٤- في تحريم موالاة المسلم للكافرين من دُونِ المؤمنين:
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ٢،وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ ٤.
٥- في تحريم قتل المسلم لأخيه:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ﴾ الآية ٥، وقال ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ
_________________
(١) ١ ٩-١٠: الحشر: ٥٩. ٢ ٢٨: آل عمران: ٣. ٣ ١٤٤: النساء: ٤. ٤ ٧١: التوبة: ٩. ٥ ٩٢: النساء: ٤
[ ١٨٧ ]
عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ١. بل أَوجب الله على عباده المؤمنين حقوقًا أَحيانًا للمشركين، فضلًا عن المسلمين-مِن أَجْل تبليغ الإسلام وإقامة الحجّة وإنقاذ الناس من النار-فقال سبحانه في كتابه العزيز: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢!!.
٦- في اتّهام المسلم لأخيه في عقيدته ونيّته:
﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ٣.
٧- وقال سبحانه حكايةً لِدُعاء رسوله نوحٍ:
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ ٤.
٨- في مبدأِ التحية بينهم:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ ٩٣: النساء: ٤. ٢ ٦: التوبة: ٩. ٣ ٩٤: النساء: ٤. ٤ ٢٨: نوح: ٧١. ٥ ٨٦: النساء: ٤.
[ ١٨٨ ]
٩- في إنْكاره تصديق بعض المسلمين لِحادثِ الإفك:
﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ ١.
١٠- في شأن المشركين أَعداءِ المسلمين:
﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ ٢.
ويَصعبُ حَصْرُ الآيات في هذا الموضوع؛ فإنها كثيرةٌ ومجالاتها متعددةٌ، وأبواب الوقوف عليها في الكتاب العزيز متعددةٌ كذلك، ومِن ذلك موضوعاتٌ وآياتٌ لم يُذْكَر فيها لفظ "الأُخُوّة" ولا لفظ "المعامَلة"، ومع هذا هي في صميم الموضوع، ومِن ذلك: ما جاء في القرآن الكريم في الأمر بالبِرّ والمعروف والخير والعَدل والإنصاف٣ والإحسان، وما جاء في منع الظلم والاعتداء والأذى بصورةٍ عامّةٍ.
_________________
(١) ١ ١٢: النور: ٢٤. ٢ ١٠: التوبة: ٩. ٣ لقد تتبَّعتُ الآيات في موضوع العدل والإنصاف؛ فانكشفَ لي ذلك عن جانبٍ مِن سموّ الأخلاق والمعاملة- فيما يجب أَن يَك ون عليه عبادُه المؤمنون في التعامل والسلوك-سُموًّا لا يتخيّلُه مَن لم يتلقّ ذلك مِن هذا الدِّين الإلهيّ المِنْحةِ الربّانية التي يَرْفِضها مَن عَشِيَتْ قلوبهم وأَبصارهم عنه!. وقد أَخبر الله تعالى أَنّ هذه سنّته فيما يُعامِل به اللهُ ﷿ عبادَه في باب الحساب والجزاء، وأنّهم بين فضْله وعدله لا يَنْفكّون عن أحدِهما!.
[ ١٨٩ ]
ب- الأحاديثُ في الموضوع:
فيما يلي بعض الأحاديث النبوية الشاهدة أيضًا بهذه المعاملة الشرعيّة الواجبة على كل مسلمِ تُجاه أَخيه المسلم؛ فمِن ذلك قوله ﷺ:
١- في تحديد مَن هو المسلم الذي له حقوق المسلم:
"من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمّة رسوله، فلا تُخْفِروا الله في ذمته" ١.
٢- في تحريم عِرْض المسلم ودمه وماله:
"كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمه، وماله، وعِرْضه" ٢.
٣- في اتّباع جنازة المسلم عمومًا والصلاة عليه:
"من اتبع جَنَازَةَ مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا، وكان معه حتى يُصلَّى عليها، ويُفرغَ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراطٍ مثل جبل أُحد، ومن صلّى عليها ثم رجع قبل أن تُدفن فإنه يرجع بقيراطٍ" ٣.
_________________
(١) ١ البخاري المختصر برقم ٢٥٧ ص٧٦. ٢ جاء هذا اللفظُ في الرواية مستقِلًاّ عند أَبي داوُد، في الأدب، ح٤٨٨٢، ٥/١٩٥-١٩٦، ط. الدعاس، وجاء جُزْءًا من حديث: "المسلم أَخو المسلم.." عند مسلمٍ، في إحدى رواياته، في الصحيح: البر والصلة والآداب، ح ٣٢ ٢٥٦٤، شرح النوويّ:١٦/١٢٠-١٢١. ٣ البخاري المختصر برقم ٤٤ ص٣٣.
[ ١٩٠ ]
ولَمْ يُحدِّد مَن يكون هذا سوى أَن يكون مسلمًا، ولَمْ يَذْكُر له صِفاتٍ مخصوصَةً، يكفي أَن يكون مسلمًا، والله هو الذي يَتولّى سرائرَ الناس.
٤- في تحريم معاداة المسلم وإيذائه:
قال ﷺ في الحديث القدسيّ أَن الله تعالى قال: "مَنْ عادى لي وَليًّا فقد آذنته بالحرب" ١.
وقال ﷺ: "من كانت له مَظْلَمَةٌ له لأخيه: من عِرْضِه، أو شيء؛ فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عملٌ صالِحٌ أُخِذَ منه بقدْر مَظْلَمَتِهِ، وإن لم تكن له حسناتٌ أُخذ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه" ٢.
وقال ﷺ: "أَتدرون مَن الْمُفْلِسُ؟ " قالوا: الْمُفْلِسُ فينا مَن لا دِرهمَ له ولا متاعٌ. فقال: "إنّ الْمُفْلِسَ مِن أُمّتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاةٍ، وصيامٍ، وزكاةٍ، وقد شتمَ هذا، وقذَفَ هذا، وأَكل مال هذا، وسفكَ دمَ هذا، وضربَ هذا؛ فيُعطَى هذا مِن حسناته، وهذا مِن حسناته؛ فإنْ فَنِيَتْ حسناتُه قبْلَ أَن يُقضى ما عليه أُخِذ من خطاياهم فَطُرِحتْ عليه؛ ثم طُرِحَ في النار" ٣.
_________________
(١) ١ البخاري المختصر برقم ٢١١٧ ص٤٨٣. ٢ البخاري المختصر برقم ١١١٨ ص٢٤٤-٢٤٥. ٣ أَخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، ح٥٨ ٢٥٨٠، شرح النووي: ١٦/١٣٥-١٣٦.
[ ١٩١ ]
وعن جابرٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنّ الشيطان قد أَيسَ أَن يَعْبُدَهُ المُصَلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم"١.
٥- وقال في فضلِ قضاء المسلم حاجة أخيه وتحريم أَذيّته أيضًا:
"المسلمُ أَخو المسلم لا يَظْلمه ولا يُسْلمه، مَن كان في حاجةِ أَخيه كان الله في حاجته، ومِن فَرَّج عن مسلمٍ كربةً فَرَّج الله عنه بها كربةً مِن كُرَبِ يوم القيامةِ، ومَن سَتَرَ مسلمًا سترهُ الله يوم القيامة" ٢!!.
فما أَعظمَ فضلَ الله، ولكنّا عن هذا غافلون، إنّا لله وإنّا إليه راجعون! وما بالُك بِمَن يَعكِسُ هذه الأخلاقَ، كما نشاهده مِن بعض المسلمين اليوم! أَليس العقاب على ذلك بعكسِ الثوابِ على هذه؟! وهذا زيادةٌ على ما وَردَ من عقوباتٍ عليها بخصوصها، نسأل الله السلامة والعافية، وأَن لا يَحْرِمنا فضله ورحمته بسوء أعمالنا. وانظر كم الفرق بين أن يَظلم الإنسان أخاه وبين أن لا يُسْلمه، وكم هو الفرق بين أن لا يُسْلمه وبين أن يَطْلبه هو ظُلْمًا وعدوانًا، بل لعلَّه يَطْلبه في دينه وعقيدته ونيّته!!.
وقال ﷺ: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا " ٣.
وقال ﷺ: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قال: يا رسول الله: هذا
_________________
(١) ١ مسلم، صفات المنافقين وأحكامهم، برقم٦٥٢٨١٢. ٢ مضى تخريجه في الحاشية رقم ١٩٨. ٣ البخاري المختصر برقم ٢٠٢٦ ص٤٦٨.
[ ١٩٢ ]
ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: "تأخذ فوق يديه" ١.
وقال النبي ﷺ: "لا يَرْمي رجلٌ رجُلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدّتْ عليه إن لم يكن صاحبُهُ كذلك" ٢!
وقال ﷺ: " ومَن لَعَن مؤمنًا فهو كقتله، ومَن قَذَف مؤمنًا بكفرٍ فهو كقتله" ٣!.
وقال ﷺ: "لا يَدْخل الجنة قتّاتٌ" ٤. والقتّات هو النمّام الذي يسعى بالحديث بين الناس لإفسادِ ما بينهم.
وقال ﷺ: "لا تَباغَضوا ولا تحاسَدوا ولا تَدَابروا وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يَحِل لمسلم أن يَهْجر أخاه فوق ثلاثة أيام" ٥.
وقال ﷺ: "إياكم والظن؛ فإنّ الظن أكذبُ الحديث، ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا، ولا تَناجشوا، ولا تَحاسدوا، ولا تَباغضوا، ولا تَدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا" ٦!.وسَرِّح الطَّرْف في حال كثيرٍ مِن المسلمين اليوم في هذه المعاني؛ فماذا عسى أَن تقول؟!.
_________________
(١) ١ البخاري المختصر برقم ١١١٦ ص٢٤٤. ٢ البخاري المختصر برقم ٢٠٣٠، ص٤٦٩. ٣ البخاري المختصر برقم ٢٠٣١، ص ٤٦٩. ٤ البخاري المختصر برقم ٢٠٣٢، ص٤٦٩. ٥ البخاري المختَصَر برقم ٢٠٣٤، ص ٤٦٩. ٦ البخاري المختَصَر برقم ٢٠٣٥، ص ٤٦٩.
[ ١٩٣ ]
٦-في الحث على حُسْن معاملة المُسْلِم بصفةٍ عامّة:
قد أوجَبَ الله تعالى للمسلم على المسلم حقوقًا محدَّدة، وحقوقًا عامّة مُطْلقةً، يَجْمعها حُسْن المعاملة؛ بإيصال البر وكَفِّ الأَذى، بما في ذلك حُسْن الاستقبال، والبشاشة والبِشْر، وطلاقة الوجه، وإظهار السرور بمقابلتِه، فقال النبي ﷺ: "تَبَسُّمُكَ في وجْه أخيك لك صدقةٌ، وأَمْرك بالمعروف ونَهْيُك عن المنكَرِ صَدَقَةٌ، وإرشادك الرَّجُلَ في أرض الضلال لك صَدَقَةٌ، وبَصَرُك للرَّجل الرديء البصر لك صَدَقةٌ، وإماطتك الحجر والشوكَ والعظمَ عن الطريق، لك صَدَقةٌ، وإفراغُك مِن دَلْوِكَ١ في دَلْوِ أَخيك لك صَدَقَةٌ" ٢، ولاحِظْ قوله ﷺ:لك صَدَقَةٌ، لك وليس على أَخيك!! وقال: "لاتحقرنّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ" ٣، وقال البراء بن عازب ﵁: "أَمَرَنا رسول الله ﷺ بسبعٍ، ونهانا عن سبعٍ: أَمَرَنا باتّباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونَصْر المظلوم، وإبرار القَسَم، وردِّ السلام، وتشميت العاطس،.." ٤، وقال ﷺ: "والذي نفسي بيده،
_________________
(١) ١ الدَّلْوُ هو: شيء مِن جِلْدٍ ونحوه، يُنْزَعُ به الماء مِن البئر. ٢ الترمذيّ، البر والصلة، ٣٦-باب ما جاء في صنائع المعروف، برقم١٩٥٦، وقال: حسنٌ غريب، وقد ذَكَره الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذيّ برقم١٥٩٤، وفي سلسلة الصحيحة٥٧٢. ٣ مسلم، البر والصلة، ح١٤٤٢٦٢٦،نسخة شرح النووي:١٦/١٧٧. وقد قال أحد الصحابة، رضوان الله عليهم: البِرُّ شيءٌ هَيّن: وجْهٌ طليق، وكلامٌ لَيّن!!. ٤ البخاري المختَصَر برقم ٢٠٣٥، ص ٤٦٩.
[ ١٩٤ ]
لا تَدْخلون الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أَوَ لا أَدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أَفشوا السلام بينكم" ١، ولاحِظْ قوله ﷺ:"ولا تُؤمِنوا حتى تحابُّوا"، ولاحِظْ العموم في مخاطبة المؤمنين جميعًا بهذا الخطاب، وإثبات هذا الحقَّ لهم جميعًا، ولم يَستثنيَ-مثلًا- عاصيًا، أَو مبتدِعًا!!.
وقال ﷺ: "فُكُّوا العاني [يعني الأسير] وأَطعِموا الجائع، وعُودُوا المريض" ٢، وقال ﷺ: "حَقُّ المسلم على المسلم خمسٌ: رَدُّ السلام، وعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس" ٣. وكم مِن المسلمين اليوم مَن قد عَكَسَ هذه الأخلاق بضدّها، كأنّ الله سبحانه قد نهاه عن هذه وأَمَرَهُ بذلك!!.
وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ في فضل الخُلُق الحسن وثوابه، مِن ذلك قوله: "ما من شيء أَثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامة مِن خُلُقٍ حَسَن؛ فإنّ الله تعالى لَيُبْغِضُ الفاحش البذيء"٤، وقال ﷺ: "ما من شيءٍ يُوضَع في الميزان أَثقلُ مِن حُسن الخُلُق، وإنّ صاحِبَ حُسن الخُلُق لَيَبْلُغُ به دَرَجَةَ صاحِبِ الصوم والصلاة" ٥، وعن أبي هريرة
_________________
(١) ١ مسلم، الإيمان، ح٩٣٥٤. ٢ البخاري المختصَر برقم١٣٠١، ص٢٩٤. ٣ البخاري، الجنائز، برقم١١٨٣. ط. البُغا. ٤ الترمذيّ، برقم٢٠٠٢،. وذَكَره الشيخ الألبانيّ في صحيح الترمذي برقم١٦٢٨. ٥ الترمذيّ، برقم٢٠٠٣، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وذَكَره الشيخ الألبانيّ في صحيح الترمذي برقم١٦٢٩.
[ ١٩٥ ]
﵁ قال: "سئل رسول الله ﷺ عن أَكثر ما يُدْخلُ الناسَ الجنّةَ، قال: "تقوى الله وحُسْن الخُلُق". وسئل عن أكثر ما يُدْخل الناسَ النارَ، قال: الفم والفرْجُ" ١. وأَخرج الترمذيّ بالسند عن عبد الله بن المبارك أنه وَصَف حُسن الخُلق، فقال: "هو بَسْط الوجه، وبَذْل المعروف، وكَفُّ الأذى" ٢!!. وقال ﷺ: "اتّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" ٣.
ويَصْعُبُ أَن نَحْصر الأحاديث في هذا المعنى، شأنها شأن الآيات على ما سَبَق بيانه عند الحديث عنها.
والحقُّ أَنِّي مُعْجَبٌ ومُنْدَهِشٌ أَيضًا مِن كثرة أَحاديث الرسول ﷺ في هذا الباب وشمولها واستغراقها لكل صُوَرِ التعامل ومجالاته، وكلُّها عدلٌ ورحمةٌ وإحسانٌ وهُدىً واستقامةٌ، ولا أَدري كيف صُرِفَتْ أَبصارُ أَقوامٍ من المسلمين عنها إلى ضدّها تمامًا، نسأل الله عفوًا وسلامًا!!. ربنا لا تُزِغْ قلوبنا بعد إذْ هديتنا، وهَبْ لنا مِن لدُنك رحمةً.
وحسْبُك أَيها المسلم الصادق أَن تَقرأَ في هذه المعاني الجميلة هذه النصوص الجميلة المحبَّبة إلى النفس وإلى كل فطرةٍ سويّةٍ، وأَن تستسلمَ لها بقلبٍ سليمٍ، وأَن تَدَعَ كل ذي خُلُقٍ لئيمٍ، في غوايته يَهِيم، وتلتزم
_________________
(١) ١ الترمذيّ برقم٢٠٠٤، وقال: هذا صحيح غريب. وذَكَره الشيخ الألبانيّ في صحيح الترمذي برقم١٦٣٠. ٢ الترمذيّ برقم٢٠٠٥. وذَكَره الشيخ الألبانيّ في صحيح الترمذي برقم١٦٣١. ٣ الترمذيّ برقم٢٠١٤، وقال: هذا حسنٌ صحيح. وذَكَره الشيخ الألبانيّ في صحيح الترمذي برقم١٦٣٨.
[ ١٩٦ ]
الصراط المستقيم، وتستعيذ بالله مِن الشيطان الرجيم، وتَدَع الجدال في الدين، وتبتعد عن مماراة الجاهلين والحاقدين على المسلمين -باسم الحرص على الدين-وأن تختصِرَ الطريق على نفسك بالاستمساك بكل ما جاءك عن الله ﷿ وعن رسولِه الكريم الذي لا يَنطقُ عن الهوى، وأن تَعْلم أنه ﷺ قد بَلَّغَ البلاغ المبين، ولم يَتْرك مجالًا للزائدين والناقصين في الدين قليلًا ولا كثيرًا، وأنْ تُلْزِمَ نفسَك بأن لا تَترك الحديث إلا لحديث مِثْلهِ يَقْضِي بتركه-بنسْخٍ أو تخصيصٍ أو تقييدٍ- وأَنّ عمومات أَلفاظ الكتاب والسنّة ومُطْلقها ليس لأحدٍ مِن البشر أَن يُخصِّصها أَو يُقيّدها-مِن تِلقاء نفسه، بغير آيةٍ أو حديث-إِلا أَن يَدّعي أَنه رسول جديد!!.
وحَسْبك أَن تقرأَ النصوص الشرعيّة على ما أَراد الله بها، دون تأويلٍ متَكَلَّفٍ!.
وحَسْبك دليلًا على بطلان الباطل والمسالك الحائدة عن هدايات هذه النصوص أَن تقرأَ على الباطل وأَهله الآيات والأحاديث، وكفى!.
ثم: الإيمان، والفطرة، والعقل، كلها تشهد مِن داخلِ الإنسان بما جاءت به نصوص الكتاب والسنّة. وأَصولُ منهج أَهل السنة والجماعة على هذا المنهج، وبه عَظُمتْ هذه الأصول عند مَن عَرَفها.!!.
ج- الدَّلالةُ العامّةُ لهذه النصوص:
وهذه النصوص من الكتاب والسنّة، وما في معناها، عامّة الدلالة بحيث تَستغرِق كل الأحوال، وتستغرِق كل الأشخاص، من الطرفين
[ ١٩٧ ]
المتعامِلَين؛ فإنها لم تُحدِّد ظرفًا أو حالةً لتطبيق هذه الأخلاق فيها، ولا شخصًا أو أشخاصًا مِن المسلمين لالتزام هذه الأخلاق معهم، لا بأشخاصهم وأعيانهم، ولا بصفاتٍ أخرى زائدةٍ على ما جاء في النصوص هذه؛ بحيثُ يتعلق بها الحكم؛ فإذَنْ يَبْقى هذا العموم الذي جاء به كلام الله وحديث رسوله كما هو؛ فلا يُخرَجُ عنه إلا باستثناءٍ مِن الله أو مِن رسوله ﷺ، ولم يَرِد عنهما استثناءٌ في الواقع.
وبناءً على ذلك فإن الواجب على كل مسلم أن يسير في معاملته لإخوانه المسلمين وعلاقاته معهم وَفْق هذه الأخلاق؛ التي عليها مدار صلاحِ ذات بينهم، واستقامتُهم في دينهم، وبالخروج عن ذلك فساد حالهم في الأمْرين.
لقد رَبَط الله ﷿ هذه الحقوق الإيمانيّة الأخويّة بدينه، يتجلى هذا في كلٍ من جانِبَي الإيمان والتشريع، فمِن حقوق الإيمان الالتزام بهذه الواجبات تجاه كل مؤمن، ومِن الأخذ بشرع الله سبحانه الالتزام بهذه الواجبات للمسلمين، ولذلك فإن مِن مَواطِن ذكْر الأحاديث في هذا الموضوع كِتاب الإيمان من كُتُب السنّة-إضافةً إلى كتاب الأدب، والبر والصلة، وكتاب المظالم وغيرها- لأن النبي ﷺ قد رَبَطها بالإيمان.
كما أن التشريع والأحكام كثيرٌ منها قد جاء لصيانة الأخوّة والحقوق بين المسلمين وجمْع كلمتهم، والحفاظ على وحدتهم، سواء ما يتعلق بالبيوع والمعاملات أم ما يتعلق بسواها!.
وقد جاءت النصوص بإثبات هذه الحقوق والواجبات بين المسلمين بصفةٍ عامّةٍ لا تُسقطها معصيةٌ ولا خلافٌ باسم الدين أم الرأي أم بأي
[ ١٩٨ ]
سببٍ آخر، وفي الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁: "أن رجلًا كان على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يُلَقّبُ حِمارًا، وكان يُضحِك رسول الله ﷺ، وكان النبي ﷺ قدْ جَلَده في الشراب، فأُتي به يومًا، فأَمر به فجُلِد، فقال رجلٌ مِن القوم: اللهم الْعَنْه، ما أَكثرَ ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ: "لا تَلْعنوه، فوالله ما عَلِمتُ إلا أنه يُحبُّ اللهَ ورسولَه" ١.
وانظرْ إلى التجانس في المعنى في قوله ﷺ "المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضًا.." ٢؛ فالمؤمن هذا شأنه، والإيمان هذا أَثَرُه، فمن ادّعاه فليَنْظر في مدى اتّصافه بهذه الصفة، والتجانس كذلك بين صفة الإيمان ومعاملة المؤمن!! والتجانس كذلك في قوله: "لا يُؤمِن أَحدكم حتى يُحِبَّ لأخيه مثلَ ما يُحِبُّ لنفسه.." ٣، والتجانس كذلك بين الإسلام وسلامة المسلمين مِن يَدِ المسلم ولِسانه في قوله ﷺ: "المسلم مَن سَلِم المسلمون مِن لسانه ويَدِهِ.." ٤. وفي الحديث عن أبي موسى ﵁، قال: قالوا: يا رسول الله أَيُّ الإسلام أفضل؟. قال: "مَن سَلِم المسلمون مِن لسانه ويَدِهِ " ٥!!.
وانظرْ كيف عَرَّف النبي ﷺ المسلم بما يُشْعِرُ بالْحَصْرِ بأن: "المسلم
_________________
(١) ١ البخاري المختَصَر برقم ٦٣٥، ص ١٥٠. ٢ مضى تخريجه في الحاشية رقم ٢٠١. ٣ البخاري المختَصَر برقم ١٣، ص ٢٧. ٤ البخاري المختَصَر برقم ١٠، ص ٢٧. ٥ البخاري المختَصَر برقم ١١، ص ٢٧.
[ ١٩٩ ]
مَن سَلِم المسلمون من لسانه ويده"، مِثْلُ قوله ﷺ: "الحجُّ عَرَفَةُ"، كأن عرفة أهمُّ شيء في الحج يَكون به الحج حجًّا، وكأن هذه الصفةَ في المسلم أهم شيء فيه يَكون بها مسلمًا!!.
[ ٢٠٠ ]