أوّلًا: تعريف الخُلُق:
قد شاع بين الناس تصورات وتعريفات للخلق ليست صحيحة، والتعريف الصحيح للخُلُق الذي تشهد له نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف ويشهد له الواقع، هو تعريف الجرجاني: الشريف علي بن محمد، حيث قال:
الخُلُق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويُسْرٍ من غير حاجة إلى فكر ورويّة، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلًا وشرعًا بسهولة، سميت الهيئة خُلُقًا حسنًا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة، سميت الهيئة التي هي المصدر خُلُقًا سيئًا. وإنما قلنا: إنه هيئة راسخة؛ لأن مَن يَصْدر منه بَذْل المال على الندور بحالةٍ عارضة، لا يقال خلقه السخاء، ما لم يَثْبُتْ ذلك في نفسه.
وكذلك من تكلّفَ السكوت عند الغضب بجهدٍ أو رويّة لا يقال: خُلُقه الحلم.
وليس الخُلق عبارة عن الفعل؛ فرب شخص خلقه السخاء، ولا يَبْذل: إما لفقْد المال، أو لمانع. وربما يكون خُلقه البخل، وهو يَبذل لباعثٍ أو رياء١.
وهذا التعريف يتفق مع قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات "٢ ومع
_________________
(١) ١ التعريفات، للجرجانيّ: ١٠١. ٢ أخرجه البخاري، برقم ١، و٥٤، و٢٣٩٢، ومواضع أُخر. ومسلم، في الإمارة، برقم١٥٥ ١٩٠٧.
[ ٢٥ ]
حُكْمِهِ على رجل أَبْلَى بلاءً حسنًا في القتال مع المسلمين بأنه في النار، وذلك لعدم إرادته بقتاله وجه الله، ومثل ذلك ما جاء من النصوص الشرعية المتكاثرة في عدم قبول أعمال المنافقين والمرائين.
ومن فوائد الوقوف على التعريف الصحيح للخلق هذا، أن يراعيه الإنسان في تقويمه لأخلاق نفسه، فلا يكتفي بصلاح أعماله في الظاهر حتى يطمئن إلى سلامة البواعث والدوافع التي بسببها عملها.
[ ٢٦ ]