آيات ناطقة بقواعد أخلاقية
بما أن نصوص القرآن العزيز كلها تعود إلى مدح الممدوح وذم المذموم من الأخلاق، فلا يستطاع إذَنْ حصر الآيات في هذا الموضوع، فلْنقتصر هنا على نماذج منها فحسب، فمن ذلك:
*- قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ ١؟! قاعدة شرعية ثابتة عامة وهامّة في التعامل تدور عليها المعاملة فيما بين الله وخلْقه، والواجب كذلك أن تكون الأساس لتعاملِ خلقه فيما بينهم، وهي قاعدة مطردة في كل شيء، ولو التزم بها الناس لارتاحوا وأراحوا، ولكن الناس كثيرًا منهم، يا للأسف، راحوا!.
*- وقوله تعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ ٢، قاعدة شرعية عامة في أقوال الناس، وفي كلام بعضهم مع بعض، لفظًا ومعنىً، أُسلوبًا ومضمونًا، لو اتّبعوها لعادت عليهم بركاتها راحة وسلامًا في الدنيا والآخرة، وكلما تأملتَ هذا اللفظ الكريم من الآية-على وجازته-انكشف لك وجهٌ أو
_________________
(١) ١ ٦٠: الرحمن: ٥٥. ٢ ٨٣: البقرة: ٢.
[ ٤١ ]
أكثر من لطائفه، تأمّل مثلًا عمومَه، وحُسْنَه، والمعاملةَ فيه بالعَدل، والمعاملةَ بالفضل، ونتائجَ تطبيق هذه القاعدة.. إلى آخر ما هنالك!.
* - وقوله سبحانه: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾ ١، هذا الجزء من هذه الآية يُحدد قاعدة أخرى في التعامل فيما بين الناس، تذهب إلى أبعدَ في الحُسن مِن سابِقتها، ذلك ليس قول الحَسَن، بل هو قول الأحسن، فلو تأمّلنا مواقفنا، وأقوالنا وأدرناها ليس على الحَسَنِ بل على الأحسن، لكانت حياتنا في الدنيا وفي الآخرة أحسن!.
قُلتُ مَرّةً لابني: لا أَحسنَ مِن أَن تكونَ أَحسنَ! ولا أَسوأَ مِن أَن تَكونَ أَسوأَ!.
* - وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ ٢ يُوَجِّهنا هذا الجزء من الآية الكريمة إلى قاعدة العفو في المعاملة فيما بيننا، وإلى قاعدة حِفْظ الجميل والفضل الذي كان بيننا، وأن لا يُنسيَناه الخلاف الطارئ، وإذا كان للإنسان طريقان للوصول إلى حقه وتسوية النزاع بينه وبين سواه، هما: طريق الحق بالعدل، وطريق العفو والمسامحة، فإن هذا الجزء الوجيز من الآية يرشدنا إلى أن العفو أقرب إلى التقوى، وهذا تنبيه إلى ما هو أهم من حصول الإنسان على حقوقه، وهو التقوى التي ينبغي أن تكون في حسّ المؤمن وهمّه مقدَّمة على الحرص على حقوقه! وما أحوجنا إلى مقاومة ميولنا الجامحة نحو استيفاء حقوقنا في مواقف
_________________
(١) ١ ٥٣: الإسراء: ١٧. ٢ ٢٣٧: البقرة: ٢.
[ ٤٢ ]
* الخلافات مع الآخرين التي نحرص عليها حتى ولو كانت تلك الحقوق المزعومة على حساب الخُلق والدين!، ولْنستحضر ما أعدَّه الله تعالى لمَنْ أخبر عنهم في قوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ١.
* - وقوله ﵎: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ﴾ ٢ يُوجِّهنا إلى قاعدة عظيمة في باب الأخلاق والسلوك الشخصيّ، تلك هي طريقة المشي على الأرض، الطريقة التي تَبعُد بالإنسان عن الاستكبار في الأرض حينما يمشي مختالًا بمشيته بغير حق، إنها المشي هونًا! وإلى جانب ذلك قاعدة أخرى، هي: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ !! وما أعظم هذه القاعدة وما أشد أهميتها للسلامة في التعامل مع الآخرين، إنّ هذا أقصر الطرق وأسلمها لقطع حماقة الحمقى وجهالة الجاهلين! ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ !!. وبالمقابل مخالفة هاتين القاعدتين من أعظم أسباب عدم السلامة؛ ذلك لأن من أوسعِ أبواب الشر الاستكبارَ على الناس، ومجاراةَ الجاهلين ومُمَاحَكَتَهم ومجادلتهم والتعامل معهم، لَكَ أن تتصوّر ما وراء تطبيق هاتين القاعدتين من الخير، وما وراء الإعراض عن تطبيقهما من الشر!.
* - وقوله ﵎: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ
_________________
(١) ١ ١٣٤: آل عمران: ٣. ٢ ٦٣: الفرقان: ٢٥. ويُنظَر الآيات إلى آخر السورة وما تضمنته من صفات لعباد الرحمن الموصوفين بهذا الوصف الكريم.
[ ٤٣ ]
الْجَمِيلَ﴾ ١ هذا الكلام الجميل، كلام العليم الخبير، يرشدنا فيه إلى قاعدة مهمة في التعامل، وهي اتّباع مبدأ الصفح الجميل، وربْط تعاملنا مع بعضنا بعضًا بالنظر إلى الدار الآخرة والساعة الآتية لا محالة! فطالما أن الساعة آتية فاصفح الصفح الجميل، ولا تكن لحوحًا في استيفاء حقوقك، وطالما أن الساعة آتية فاحسب حسابًا لها أيها الإنسان!. ولَكَ أن تتصور كم تكون الحياة جميلة لو اتّبعنا قاعدة الصفح الجميل في حياتنا، وقاعدة النظر إلى الدار الآخرة والساعة الآتية، وكم تكون الحياة قبيحة مؤذية عندما يغيب أسلوب الصفح الجميل، وأسلوب النظر إلى الساعة الآتية!!.
* - وقوله ﷿: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢ هذه الآية تشتمل على الأربع قواعد هذه في التعامل بين الناس١-أَخْذ العفو، ٢-الأمر بالعرف، ٣-الإعراض عن الجاهلين،٤-الاستعاذة بالله مِن نزْغ الشياطين. وكلّها متعيّنٌ لاستقامة الحياة وسعادتها، وضدُّها بضدها. وقد رُوي عن جعفر الصادق أنه قال: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها٣.
* - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ ٤ هذه قاعدة مطردة وسنّة إلهية ثابتة في قضية الاستقامة
_________________
(١) ١ ٨٥: الحجر: ١٥. ٢ ١٩٩ - ٢٠٠: الأعراف: ٧. ٣ فتح الباري، لابن حجر: ٨/٣٠٦. ٤ ١١: الرعد: ١٣. ويُنظَر: ٥٣: الأنفال: ٨.
[ ٤٤ ]
وضدها، والسعادة والشقاء، وهي أن التغيير يبدأ من الإنسان ذاته، ومن داخل النفس ذاتها، وهي قاعدة يحتاجها الناس للتعامل بها مع أنفسهم والتعامل مع سواهم، ويحتاجها المربون والمصلحون، كي يسيروا على نهجها في أساليبهم وطرائقهم، فيأتوا الأمور من أبوابها!.
*- وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ١ يقرر قاعدة منهجية، ينبغي أن يسير عليها كل مسلم راغب في الخلق الفاضل وفي الخير بعامّةٍ، وهي أن يتأسى برسول الله ﷺ، ويقتدي به في كل شيء؛ لأنه هو المربي الكامل، وهو الأستاذ في الأخلاق والدين! إن التأسي بالرسول الكريم يستطيعه كل أحد، الكبير والصغير، والعالم والمتعلم والجاهل. وضمير الجمع في قوله سبحانه: ﴿لَكُمْ﴾ يتناول هؤلاء كلهم، ويشمل المسلمين جميعًا!.
*- وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ٢ هذه قاعدة أخلاقية إصلاحية عامّة، وهي أساسٌ لمن رام منهجًا للصلاح والإصلاح، ولمن رغب في اكتساب مكارم الأخلاق في الكبيرة والصغيرة. فاجتناب الهوى هو الطريق لدخول جنة المأوى! واتّباع الهوى طريق إلى النار وسخط الملك الجبار سبحانه! فما على من رغب في الخلق الفاضل، وفي الخير، وفي جنة الله
_________________
(١) ١ ٢١: الأحزاب: ٣٣. ٢ ٤٠-٤١: النازعات: ٧٩.
[ ٤٥ ]
ورضوانه، إلا أن يقف هذا الموقف من هواه ومن هوى غيره، نسأل الله التوفيق!.
* - وقوله سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ..﴾ ١ تشتمل هذه الآية على قاعدة في الأخلاق تتعلق بالباعث الفرديّ والباعث الجماعيّ في أخلاق الإنسان وسلوكه، وتحدد بوضوح هذا الوعيد الشديد من رب العالمين لمن وقع في وبال النزعة الفردية في الأخلاق، فأصبح لا همّ له إلا نفسه، ولا داعي عنده للتفكير في الآخرين! ومن ثم فلا حرج عند هذا الصنف المرذول من الناس أن يسلك هذا المسلك الذي وصمته به الآية!. وما ذُكِر في الآية -من الكيل والوزن- ما هو إلا مثال. وأفعالُ الشر والانحراف تتعدد، والمنحرفون يخترعون من السلوك والأنماط ما يعبّرون به عن نوازعهم الفردية البغيضة، والله المستعان!.
* - وقوله ﷿: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ ٢ يقرر نهجًا عامًّا في السلوك والخلق مرتبطًا بالعقيدة والإيمان، ذلك هو إحسان عبادة الله تعالى، والإحسان إلى أَولى الناس بإحسان الإنسان، وهما الوالدان، ولا يكون ذلك إلا بعبادة الله وحده لا شريك له وتقدير الله حق قدره، وبرِّ الوالدين بطاعتهما بطاعة الله وإكرامهما واحترامهما بصورةٍ لا يُقدّم عليهما فيها سواهما من البَشَر
_________________
(١) ١ ١ - ٣: المطففين: ٨٣. ٢ ٢٣: الإسراء: ١٧.
[ ٤٦ ]
بعد رسول الله ﷺ، ولا يَعني هذا أن يكون حقهما مسقِطًا لحق غيرهما، كما قد يتصوره بعض الناس، وهذا أمرٌ مرتبطٌ بخُلُقِ الاعترافي بالفضل لأهله.
* - وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ..﴾ ١ يقرر منهجَ التوحيد في حياة الإنسان، وأنه هو الصواب والعدل، وأن الشرك ظلمٌ عظيم، ولا شك في أنه ينبني على حقيقة التوحيد صلاحٌ عامّ في حياة الإنسان، كما أنه ينبني على الشرك فساد عامّ في حياة الإنسان، كلُّ ذلك في أصول الحياة وفي فروعها. ولو تابعتَ وصايا لقمان لابنه في هذه السورة من بعد هذه الآية لرأيت فيها ما يؤيِّدُ كل خلق حميد، ويدفع كل خلق غير سديد، ولكن المقام لا يتسع لكي نمضي إلى أكثر من هذا، وتبقى العودة إلى القرآن، أو الحياة معه، واجبَ الحياة لمن أراد الحياة، وما هذه الوقفات إلا إشارات سريعة إلى الموضوع أرجو أن تكون مفيدة.
وإن مما يجب أن لا يُنسَى اليقينَ بأن كتاب الله وحديث رسوله قد استوعبا كل ما نحتاجه من بيان عن الأخلاق، بأدق ما يكون، وبأسلوب جميل سهْلٍ معجِز، وما علينا إلا الورود عليهما وفقههما والنهل منهما.
_________________
(١) ١ ١٣: لقمان: ٣١. ويُنظَر بقية الآيات بعدها وما اشتملت عليه من أخلاق وآداب عظيمة!.
[ ٤٧ ]