تتعدّد المفاهيم المغلوطةُ في هذا الباب، والتي قد يَحْرص عليها صاحبها؛ لظنّهِ أَنها مِن الدِّين وما هي من الدِّين، ومنها ما يلي:
١- الظنُّ بأنّ المخالَفَةَ في الرأي تُوجِبُ العِداء والإيذاء:
يَظن بعض الناس أن المخالفة في الرأي، أو المخالفة في المذهب، أو في منهج الفهم، أو في الطرائق والأساليب، ونحو ذلك، يُسوّغ للإنسان أن يَتّهم أخاه المخالف له بأيّ تهمة، عقدية أو غير عقدية!. وهذا تَصَوُّرٌ ليس عليه دليلٌ صحيحٌ مِن شرْعٍ أو عقْلٍ أو فِطْرَةٍ!.
٢- الظن بأنّ المسلمَ المخالِفَ لا يَصِحُّ ذِكْرُ شئ مِن محاسنه أو العَدْلُ معه:
يَظن بعض الناس أن المسلم المخالِف له لا يصح ذِكْر شئ من محاسنه، ولا يصح العدْل في حقه أو في التعامل معه! وهذا مسلكٌ لا دليل عليه أيضًا، ولَمْ تَنُصّ عليه نصوص الكتاب والسنَّة، وما ذَهبَ إلى هذا إلا مَن لم يقف على مجموع النصوص بتجرّد، أو مجتَهِدٌ مُخْطئٌ، أَوصِنْفٌ ثالثٌ نعوذ بالله منه. والواجب على مَن أراد الصواب والسلامة أن يَتَخلّص من كل هذه الأسباب الصارفةِ عن الحقِّ والفطرةِ في هذا الموضوع.
[ ٢٠٠ ]
٣- الظنّ بأنّ المسلم المخالِفَ لا يَصحُّ إحسان الظنّ به:
يَظن بعض الناس أن المسلم المخالف له لا يصح إحسان الظن به، بل الواجب إساءة الظن!. وهذا يخالف ما دلّتْ عليه نصوص الكتاب والسنة، ويُناقِضُ واقعَ الحال! إذ الواقع أنه ليس كل مخالِفٍ للإنسان فهو على السوء والخطأ، ولو قال قائلٌ بهذه النظرة؛ لقيل له: ومَن هو الذي له أن يَحْكم بهذا الحكم في شأن غيره مِن الطرَفين المُختَلِفَين؟! أو مَن ذا الذي هو في مكان التزكية منهما، ومَن الذي هو بضدّ ذلك مِن الطرفين؟! وقد قال الله تعالى: ﴿ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ١، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا. انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ ٢وقال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٣؛ ولم يَخُصّ –سبحانه- هؤلاء القوم بأُناس مُحَدّدين؛ فيَبقى عموم اللفظ على حاله، ليَدْخُلَ فيه أيّ قوم، بل لم يُحَدَّد حتى بالمسلمين، فيَصْدق هذا على المسلمين وغير المسلمين! فأين الوِجهة أيها الظالم لنفسه ولغيره من الناس بِسُلوكِكَ هذا المسْلَكَ الخطأَ باسم الدين؟!.
_________________
(١) ١ ٣٢: النجم: ٥٣. ٢ ٤٩-٥٠: النساء: ٤. ٣ ٨: المائدة: ٥.
[ ٢٠١ ]
٤- الظنُّ بأنه يَجوز الحُكْمُ على عقائد الناس بالظنّ:
يَظُن بعض الناس أَنه يَجوزُ له أَن يَحكمَ على عقائد الناس-رجمًا بالغيب- طالما أَنه على المنهج الحقِّ! وليس الأَمرُ كذلك؛ إذْ هو مخالفٌ للأدلة من الكتاب والسنّة، وكثيرًا ما يستجيز هذا مَن يستجيزه مِن المسلمين –للأسف- تنصيبًا لنفسه في مقام المُدافع الوحيد عن الدين مِن بين إخوانه المسلمين، وحِرصًا منه، بزعمه، على إقامة الناس على الدين، وليس بهذا يتحقّق الصلاح والإصلاح، وليس بهذا جاء الكتاب والسنّة.
ومما جاء في حديثٍ عند الإمام البخاريّ: "فقام رجلٌ غائر العينين، مُشرِفُ الوَجنتين، ناشِزُ الجبهة، كثُّ اللحية، محلوق الرأس، مُشَمِّرُ الإزار، فقال: يا رسول الله "اتّقِ الله"، قال: ويلك، أَوَ لستُ أَحقَّ أَهلِ الأرضِ أَن يتّقيَ الله؟!. قال: ثم ولَّى الرَّجلُ. قال خالدُ بن الوليد: يا رسول الله، أَلا أَضربُ عنُقَهُ؟. قال: "لا، لعلَّهُ أَن يكونَ يُصَلِّي". فقال خالدٌ: وكم مِن مُصَلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. قال رسول الله ﷺ: "إنِّي لَمْ أُومرْ أَن أُنقِّبَ قلوب الناسِ ولا أَشُقَّ بطونهم". قال: ثم نَظَر إليه وهو مُقَفٍّ، فقال: "إنه يَخرج مِن ضئضئ هذا قومٌ يتلون كتاب الله رَطبًا، لا يُجاوِزُ حناجرهم، يَمْرقون مِن الدين كما يَمرقُ السّهمُ مِن الرَّمِيِّة"-وأظنه قال-"لئن أَدركتهم لأَقتلنَّهم قتْلَ عادٍ" ١.
وجاء في بعض أَلفاظ الحديث عند البخاري أَن الرسول ﷺ قال: "إنّ
_________________
(١) ١ البخاري: المغازي، ح٤٠٩٤، وهو في الأحاديث عنده أيضًا برقم:٤٣٩٠، ٦٩٩٥، ٧١٢٣، ٣١٦٦، ط. البُغا.
[ ٢٠٢ ]
مِن ضئضئ هذا، أو في عَقِب هذا قومٌ يَقرءون القرآن لا يُجاوِزُ حناجرهم، يَمْرقون مِن الدِّين مُرُوق السّهم مِن الرَّمِيَّة، يقْتُلونَ أهلَ الإسلامِ ويَدَعون أَهل الأوثان، لئن أَدركتهم لأَقتلنَّهم قتْلَ عاد" ١.
ولعلَّك-أَيها القارئ الكريم-تعود مرَّةً أُخرى فتقرأَ الحديث، وتلْحَظ:
-صفاتِ هذا الآمر لرسول الله ﷺ بالتقوى!
-وكيف أنه يأمرُ رسولَ الله بذلك!
-ومطابقةَ بعض أَهل عصرنا-ممن قد يَعُدُّه البعض في جُمْلة الدعاة-لصفاتِ ذلك الرجل ودعوتِه المزعومة.
-وتَحَقُّقَ ما أَخبرَ به رسول الله ﷺ!.
-وقوله ﷺ: "لا، لَعَلَّهُ أن يكون يُصَلِّي"، وقوله: "إنّي لم أُومر أن أُنَقّبَ قلوب الناس، ولا أَشُقّ بطونهم"، وقوله: "قومٌ يَقرءون القرآن لا يُجاوِزُ حناجرهم، يَمْرقون مِن الدِّين"، وقوله: "يقْتُلونَ أهلَ الإسلامِ ويَدَعون أَهل الأوثان"!.
فهل يَغضَبُ مَن على هذه الشاكلة إذا قرأَ حديث الرسول ﷺ هذا، أم سيرعوي عن هذا الطريق الغوي؟!
إنّ في ذلك لعبرة لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيدٌ ولم يَحجبه عن الهُدى هوىً أو بدْعة.
ولقد ظَنّ بعض الناس أَن هجومه على الدعاة، باسم محاربة البدعة، واتهامه لكثيرٍ منهم بها، براءةٌ له مِن البدعة، وما عَلِمَ أَنه بهذا المسلَك قد ابتدعَ ووقع في البدعة؛ لمجانبته نصوص الكتاب والسنّة وهَدْي النبيّ ﷺ،
_________________
(١) ١ البخاري، الأنبياء، ح رقم٣١٦٦، ط. البُغا.
[ ٢٠٣ ]
وأَنّ ذلك المسْلك ليس براءةً لصاحبه مِن البدعة ولا تزكيةً له في دينه!!
وصَوّرَ بعض الناس اليوم البدعة-وهو يُهاجمها، بتلك الطريقة، على غير هَدْي الكتاب والسنّة-أَن أَيَّ بدعة فهي في العقيدة، وأَن أَيّ بدعة فهي كفْرٌ، وأَنّ صاحبها لا يَصِحّ أَن يُعاملَه أَهلُ السنّة إلا: بالبغض، والتكفير، وسائر تلك الألوان من المعاملة المجانِبة لما جاء به دين الله تعالى!
ويُصَوِّر مَن على هذا المَسْلك أَن معاملة المبتدع بما جاءت به النصوص الشرعية-مما يَعْلمه ومما لا يَعْلمه- إقرارٌ للبدعة للأسف!! مع أَنه لا تَعارضَ بين رَدِّ البدعة أَيًّا كانت، وبين معاملة المسلم المعاملة الشرعية ونصْره ظالمًا أو مظلومًا بالمعنى الشرعيّ.
ومَن أَعطاك أَيّها المسكين هذا الختمَ؛ لتختمَ به على مَن تشاء مِن عباد الله؛ بأَنّ هذا سُنّيّ وهذا مبتدِعٌ، وحسْبَ هواك، آلله أَذِنَ لك بهذا أَم على الله تفترون؟! وهل تأذَنُ لغيرك بأن يأخذ هذا الختمَ بالتناوب معك أو بمشاركتك في هذه الصلاحيّة، أَم أَن الأمر خاصٌ بك، خصّك الله به مِن بين عباده الصالحين!!
اللهم إخلاصًا واتّباعًا وفقْهًا، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم احفظْ دينك وعبادك وسنّةَ نبيك محمدٍ ﷺ!!.
وما أَجملَ قولةَ عبّاد بن عبّاد حين قال: ولا تكتفوا مِن السنّةِ بانتحالها بالقول دونَ العمل بها؛ فإنّ انتحال السنّة دونَ العمل بها كذِبٌ بالقول مع إضاعة [العمل] ١. ولا تعيبوا بالبدع تَزَيُّنًا بعيبها؛ فإنّ فساد
_________________
(١) ١ في المطبوع: العلم. وهو واضحٌ أنه تصحيف.
[ ٢٠٤ ]
أَهلِ البدع ليس بزائدٍ في صلاحكم، ولا تعيبوها بغْيًا على أَهلِها؛ فإنّ البغيَ مِن فسادِ أَنفسِكم. وليس ينبغي للمطبِّب أَن يُداوي المرضى بما يُبرِؤهم ويُمْرِضُه " ١!!.
٥- استباحة عدَدٍ مِن الأساليب المحرَّمة في التعامل مع المسلم المخالِف:
ولقد ترتَّبَ على الظن السابق ذِكره-وهو استباحةُ الطعن في عقائد المسلمين، نُصْرةً للدين، على حدِّ زعْم الزاعمين-استباحةُ ارتكابِ عددٍ مِن الأساليب غير مشروعة، كلُّها ظُلُماتٌ بعضها فوق بعض، للقيام بهذا الواجب المزعوم!.
ومِن تلك الأساليب ما يلي:
*استباحةُ تتبُّعِ عورات المسلمين بغيرِ حقٍّ، وقد جاء في الحديث: "عن ابن عمر، ﵄، قال: صعد رسول الله ﷺ على المنبر، فنادى بصوتٍ رفيعٍ، فقال: "يا معشر مَن أسلمَ بلسانه ولم يُفْضِ الإيمان إلى قلبه، لا تُؤذوا المسلمين ولا تُعَيّروهم، ولا تتبَّعوا عوراتهم؛ فإنه مَن تَتبَّعَ عورة أَخيه المسلم تَتبَّع الله عورته، ومَن تتَبَّعَ الله عورته يَفضحْه ولو في جوف رَحْله" ٢.
_________________
(١) ١ سنن الدارمي: ١/١٧٠. ٢ أَخرجه الترمذيّ: برقم٢٠٣٢، وعنده: "ونظر ابن عمر يوما إلى البيت أو إلى الكعبة، فقال: ما أعظَمَك وأعظَمَ حُرمَتَكِ، والمؤمنُ أعظَمُ حُرْمَةً عند الله منكِ"، قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ ، وأخرجه ابن حبان برقم: ١٤٩٤. يُنْظَر: غاية المرام بتخريج أحاديث "الحلال والحرام"، للألباني، برقم٤٢٠، وقد حسّنه.
[ ٢٠٥ ]
هذا في الذي يتتبَّعُ عورات المسلمين؛ فكيف بالذي يتَّهم المسلمين بما ليس فيهم!.
وإذا قال لك مَن هذه حاله: إنه يفعلُ هذا مِن أَجْل الإسلام. فقُلْ له: كَذبتَ، ليس الأمر كذلك؛ لأنَّ هذا الحديث هو كلام رسول الإسلام ﷺ، والإسلام إنما يؤخذُ عنه وليس عن مثلك!.
وقد قال الرسول ﷺ أيضًا: "إنك إنْ اتّبعتَ عورات الناس أفسدتهم، أو كدتَ أن تُفْسِدهم" ١، وقال أيضًا: "إنّ الأميرَ إذا ابتغى الريبةَ في الناس أَفسدهم" ٢.
* مخادعَةُ الناس والتعاملُ معهم ليس على أساس النصيحةِ، وإنما بهدَفِ تَطَلُّبِ الفضيحة؛ لأن هذا هو الذي يَسرُّ هذا الصنفَ مِن الناس؛ فيُحِبُّ أحدُهم أَن يُثْبِتَ أن فلانًا مبتدعٌ-مثلًا-ويَدْعُوه ذلك إلى أنْ يتخذ عددًا من الأساليب والوسائل المادِّيّة والمعنويّة، غيرَ مشروعةٍ؛ لتحقيق غايته تلك، ولَعَلّه يزورُ-مِن أجْلِ ذلك الغرض- مَن لا يُحِبُّ زيارته، أو مَن لا يُحبُّه، ولعلَّه يستمِعُ لحديث مَن لا يُحِب سماع حديثه، وقد يكون المتحدِّثُ كارهًا كذلك لاستماع ذلك الشخص لحديثه، ثم يُحَوِّر الزائرُ ويُزَوِّرُ في الكلام قصْدًا، أو ينقله على غير فهْمٍ، كلُّ ذلك لِيَنْصُرَ الدين ويُحاربَ البدعةَ بزعمه! -والحمد لله على العافية والسلامة مِن مثل هذه الأمراض٣.
_________________
(١) ١ ممن أَخرجه أبو داود برقم٤٨٨٨، وابن حبان برقم٥٧٣٠. يُنْظَر: غاية المرام بتخريج أحاديث "الحلال والحرام"، للألباني، برقم٤٢٤، وقد صححه. ٢ ممن أخرجه أحمد: ٦/٤، وأبو داود برقم٤٨٨٩. يُنْظَر: غاية المرام بتخريج أحاديث "الحلال والحرام"، للألباني، برقم٤٢٥، وقد صححه. ٣ ولقد يَفعل هذا طالبٌ مع أُستاذه-وهو طالبٌ، وهو مِن أَجهلِ الناس بمنهج السلف وأخلاق الإسلام-. ومتى أَصبح مثْلُ هذا الطالب وليًّا للإسلام وفي مكان الرقيب على شيخه، ومتى أَصبح الشيخ في مكان المتَّهم على الإسلام وأَهله؟!.
[ ٢٠٦ ]
ولقد قال النبيّ ﷺ: "ومَن استَمَعَ إلى حديث قومٍ وهم له كارهون أو يَفِرّون منه، صُبَّ في أُذنه الآنِكُ١ يوم القيامة"..٢. وقد يُعمِي أعمى البصيرة عن استعظام هذا الذنْبِ والنفورِ منه، أَنّ الآنِكَ لَمْ يُصَبَّ في أذنيه بعْدُ؛ لأنّ يوم القيامة لم يأتِ بعْدُ!.
* وقد يزور أحدُهم أخاه المسلمَ، المخالِفَ له في أمورٍ لعلّها اجتهادية، ونتائج الاجتهاد فيها لا تدور بين الكفر والإيمان، وإنما بين: أَخطأتَ، وأَصَبتَ، يَزوره-ليس لله تعالى إنما- لِيَرْصُدَ عليه خطأً أو خطيئةً؛ فبأيِّهما ظَفِرَ فَرِحَ، وقد يُعامله المَزُور بصدقٍ وصفاءٍ، وقد يُسِرُّ إليه بِسِرِّهِ يَظنّه صديقًا صدوقًا، وما عَلِم أنه عَدوٌّ في ثيابِ صَديقِ، وأنه مِن شِرارِ الناسِ ذَوِي الوَجْهين، الذين أخبرَ عنهم النبيُّ ﷺ!!.
٦-الظنُّ بأن المسلم المخالِف لا يَصحُّ التعامل معه أو إعطاؤه شيئًا من الحقوق:
يَظن بعض الناس أن المسلم المخالِف له لا يصح التعامل معه ولا زيارته، ولا يصح إعطاؤه شيئًا من الحقوق الشرعية للمسلم على المسلم!. وقد زار النبيّ ﷺ غلامًا يهوديًّا مَرِض، فقد روى الإمام البخاريُّ في صحيحه: عن أَنسٍ ﵁، قال: "كان غلامٌ يَهوديٌّ يَخْدِم النبيّ ﷺ فمَرِض، فأتاه النبيُّ ﷺ يَعُوده، فقَعَد عند رأسه، فقال له: أَسلِ مْ،
_________________
(١) ١ هو: الرصاص المُذاب، وقيل هو خالصُ الرصاص الفتح١٢/٤٢٩. ٢ البخاري، التعبير، ٤٥-باب من كَذَب في حُلمهالفتح١٢/٤٢٧.
[ ٢٠٧ ]
فنَظَرَ إلى أَبيه-وهو عنده-فقال له: أَطعْ أَبا القاسم ﷺ فأَسلمَ، فخرج النبيّ ﷺ وهو يقول: "الحمدُ لله الذي أَنقذهُ مِن النار! " ١؛ فهذا يهوديٌّ يَزوره رسول الله المُبَلِّغ عن ربه ﵎؛ فأين المفر أيها السادر في هذه الطريق المُظلمة الظالمة باسم الدين، والدِّين لا يُقِرُّ بذاك؟!.
٧- الظن بأن المسلم المخالِفَ يَجوز الكلام في عِرْضه:
يَظن بعض الناس أنه يجوز له أن يَتكلم في عِرْض أخيه المسلم المُخالِف له ويَطعن فيه-بحُكْمِ هذه المخالَفِة-بمختلف أَوجُهِ الطعن بل قد يَزْعم أنّ ذلك يَجِبُ!. ولكن أين الدليل الصحيح الذي يَسْلم الاستدلال به مِن الاعتراض؟! وكيف يُمْكن أنْ يَقُوم دليلٌ على معارضة جمهور الأدلة الشرعية المُحَرِّمةِ ذلك الناهية عنه أشدَّ النهيِ؟!.
٨- زعْمُ التقرُّبِ إلى الله تعالى بأذيِّة المسلمِ أخاه المسلمَ:
يَزعم بعض الناس التقرّبَ إلى الله بأذية أخيه المسلم بأنواعٍ مِن الأذى كتَجهُّمِ الوجه، وعدم ردِّ السلام عليه -تعالى الله عن هذه القُربة-!. وما هذا الخُلُق إلا تعبيرٌ عن انفعالاتٍ نفسيّة وصِفاتٍ شخصيّةٍ يُلْبِسها صاحِبُها لَبوس الدين. ودينُ الله مِنها بُراءٌ! وما هو إلا تأصيلٌ للحقدِ والأذى ومساوئ الأخلاق في مجتمعات المسلمين تأصيلًا دينيًا للأسف الشديد، ولكن -بحمد الله- دينُ الله بريءٌ مِن هذا كله، بل قد جاء بضد ذلك، مِن الأخوّة، والعدل، والإنصاف، وحُسْن الظن في مواضعه،
_________________
(١) ١ البخاري المختصر برقم٦٧٩، ص١٥٩.
[ ٢٠٨ ]
وإفشاء السلام، والإحسان، والسماحة، والصدق، والتثبت، وما إلى ذلك مِن معاني الدين ومقاصده وأخلاقه.
وهذه الأوهام يَصعبُ حصرها هنا، وليس هذا مقصودًا في طَرْقِ الموضوع الآن.
د- معارَضَةُ هذه الأوهام لما جاءت به شريعة الإسلام:
ولكن المتعيّن هنا التأكيد على أن هذا كله يتعارض مع ما جاءت به نصوص الشرع من أصولٍ وفروعٍ في هذه الحقوق؛ فعموم الأمر بالسلام، والأمر بِرَدِّه، وعموم الأمر بالكلمة الطيّبة، والصَّدقة، والإحسان إلى الناس، وإلى القريب والجار، وأمثالها، كلُّها عمومات تَرُدُّ على هذه الأغاليط مِن الأفهام. فمثلًا قوله ﷺ: "مَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخِر فلا يؤذِ جاره" ١، وفي روايةٍ: "فلْيُكْرم جاره" ٢، وفي روايةٍ: "فلْيُحْسن إلى جاره" ٣ وأمثال ذلك، يَرُدُّ على مسالك الفهم المخطِئة تلك -وربما الخاطئة-؛ فليس في هذه الأحاديث -مثلًا- اشتراط شروط لإعطاء حق الجار هذا، ولم تأتِ بقية النصوص بشرط أو شروط مِن هذا القبيل!.
ومِن الأمثلة أَيضًا ما جاء مِن النصوص في تحريم الظلم بصفةٍ عامّة، مثل ما رواه أبو ذرّ، ﵁، عن النبيّ ﷺ، فيما يرويه عن ربّه تبارك
_________________
(١) ١ البخاري، برقم٥٦٧٢، و٤٨٩٠، ومسلم، في الإيمان، برقم٧٥. ولفظة: فلا يؤذي. جاءت في بعض الروايات بالياء المثنّاة، وفي بعضها بدونها. ٢ أخرجه البخاري، برقم٥٦٧٣ ط. البُغا، ومسلم، في الإيمان، برقم: ٧٤٤٧. ٣ أخرجه مسلم، في الإيمان، برقم٧٦، و٧٧٤٨.
[ ٢٠٩ ]
وتعالى أنه قال: "يا عبادي! إنّي حرّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلْتُه بينكم مُحَرّمًا؛ فلا تظالموا.." ١؛ فإنّ هذا العموم في تحريم الظلم، أيِّ ظلْم، ولأيّ شخص، ومِن أيّ شخص -حتى حَرَّمه الله على نفسه- عمومٌ ليس له مُخَصِّص! ومَن استحلّ شيئًا مِن الظلم لأحدٍ مِن الناس المسلمين أو الكافرين، بل وظُلم الدواب، بدليلٍ صحيحٍ فلْيُظْهرْه!
بل ذهَب سُموُّ هذا الدين إلى أبعدَ مِن ذلك في أخلاقه وآدابه فجاءت نصوصه وأحكامه بتحريم أن يؤذيَ المسلم أخاه مِن غير قصْد له، كما هو الشأن في التنفير الصارم مِن أكل الثوم والبصل؛ لا لأنهما حرامٌ حرمةً ذاتيّةً، وإنما لكي لا يتأذى منهما المصلّون وملائكة الله٢!!.
وقد روى تميم الداريّ، ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال:" لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامّتهم" ٣؛ فهذا هو الواجب: النصيحة. وبهذا العموم، دون قيدٍ أو شَرْطٍ في أداء هذه النصيحة. وإذا كان الدين النصيحة؛ فإنّ معنى هذا أنّه واجبٌ على كل مسلمٍ أن يكون على النُّصْح، وأن يكون على هذا النصح وَفْقَ ما وَرَدتْ به النصوص من عموم. يقول الإمام ابن حبان مُعلِّقًا على هذا الحديث: الواجب على العاقل لزوم النصيحة للمسلمين كافة، وتَرْك الخيانة لهم بالإضمار، والقول، والفعل معًا؛ إذْ المصطفى ﷺ
_________________
(١) ١ مسلم، البر والصلة، برقم٥٥٢٥٧٧. ٢ مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، الأحاديث: ٦٨- ٧٨٥٦١-٥٦٧. ٣ مسلم، - الإيمان، ح٩٥ ٥٥.
[ ٢١٠ ]
كان يشترط على مَن بايعه مِن أصحابه النصحَ لكل مسلمٍ مع إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة١!!.
ولعلَّ مِن المهم التنبّه هنا إلى أن النُّصْح إما أن يوجَدَ لدى الإنسان، أو يُفْقَدَ، وأنه صفةٌ لا تتجزَّأُ؛ فمن كان ناصحًا مخلِصًا فإنه سيكون ناصحًا مخلِصًا لكلِ مَن أوجب الله له النصيحة والإخلاص؛ فيكون ناصحًا: لله، ولرسوله، ولكتابه، وللأئمة المسلمين، وعامّتهم، ومتى ما رأيت مَن يَدّعي الإخلاص لمجالٍ واحدٍ من مجالات النصيحة دون سواه؛ فاعلم أنه دَعيٌّ وليس كما يقول، فمَن يَزعم الإخلاص لعامّة المسلمين دون وليّ أمرهم، فاعلم أنه ليس على شيءٍ مما يقول، ومَن يَزعم الإخلاص لوليِّ أمر المسلمين في حين أنه غاشٌّ للمسلمين فاعلم أنه ليس كما يَدَّعي!
إنّ كلّ مجالات النُّصْح خُلُقٌ ودِينٌ؛ فلا يَصِحّ التفريقُ بينها، ولا معنى له إلا عدمُ الإخلاص، نسألُ اللهَ منه الخلاص!.
ومِثْل صفةِ الإخلاصِ صفةُ الرحمة؛ فإنك تجد مَن يتصف بها رحيمًا في شتى مَوَاطن الرحمة ومجالاتها، لا يَخُصُّ واحدًا مِن ذلك عن سواه، أَمّا أن يَرْحم أولاده فقط-مثلًا-ولا يَرحم مَن عداهم فهذه ليست رحمة الإنسان للإنسان أو رحمة الرحيم في مَوَاطن الرحمة، وإنما هي رحمة البهائم ومَن كان في هواه هائمًا!!.
وهكذا قُلْ في العموم الذي جاء في باقي النصوص السابقة، وما في معناها، وكذا قُلْ في بقيةِ المعاني في هذا الباب -أعني بابَ المعاملة بين الناس- التي لا
_________________
(١) ١ "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء": ١٩٤.
[ ٢١١ ]
شك في أن مجموعها هو الإسلام -في هذا المجال مِن مجالات الدين- بحِكَمه وأحكامه. وكأننا عنها أو عنه غافلون؛ فإنا لله وإنّا إليه راجعون!.
وليس الغريب ارتكاب هذه الأخطاء فقط، وإنما الحرص عليها واتخاذها ديانةً وقُربةً، والدين لا يُقِرُّ ذلك، وإنما جاء بعكسه!.
- قال جعفر بن محمد: إياكم والخصومةَ في الدين، فإنها تشغل القلب، وتورِثُ النفاق! ١.
- قال الفُضَيل: واللهِ ما يَحِلُّ لك أن تؤذيَ كلبًا ولا خنزيرًا بغير حقٍّ؛ فكيف تُؤذي مسلمًا؟! ٢.
وقال الإمام الذهبيّ في مَعْرض تعليقٍ له على حُكم الضحك: وأما التبسُّم وطلاقة الوجه فأرفعُ مِن ذلك كلِّه، قال النبيّ ﷺ: "تَبسُّمك في وجه أخيك صَدَقةٌ" ٣، وقال جريرٌ: "ما رآني رسول الله ﷺ إلا تَبسَّمَ" ٤؛ فهذا خُلق الإسلام، فأعلى المقاماتِ مَن كان بكّاءً بالليل،
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء، للذهبيّ، تهذيبه: ص٥٣٦. ٢ سير أعلام النبلاء، للذهبيّ، تهذيبه: ٦٦٣. ٣ يُنظر الحديث في ص ١٩٤، حاشية ٢٠٩. ٤ أَخرجه مسلمٌ في: فضائل الصحابة ﵃، ح١٣٥٢٤٧٥، وتمامه: ما حجَبَني رسول الله ﷺ منذُ أَسلمتُ، ولا رآني إلا تَبَسّمَ في وجهي.
[ ٢١٢ ]
بسّامًا بالنهار١.
ثم قال: "بقيَ هنا شيءٌ: ينبغي لمن كان ضحوكًا بسّامًا أن يُقصِّر مِن ذلك، ويلومَ نفسَه؛ حتى لا تَمجَّه الأَنفُس، وينبغي لمن كان عبوسًا منقبضًا أن يَتبسّمَ، ويُحسِّنَ خُلقه، ويَمْقتَ نفسَه على رداءة خُلقه.
وكل انحرافٍ عن الاعتدال فمذمومٌ، ولا بدَّ للنفسِ من مجاهدة وتأديب! " ٢.
وقد عَرفنا مِن خلال النصوص الشرعية خطأَ هذه الظنون، وفداحةَ هذه الأخطاء في الدنيا والآخرة!.
هـ- خلاصةُ ما يؤدي إليه هذا المبحث:
وبِتتبُّعِ هذه النصوص يتبيّنَ لنا ما يلي:
١- أَن هذه النصوص مِن الكتاب والسنّة ليس لها مُعارِضٌ مِن النصوص الأُخرى.
٢- وأن الأحكام الواردة في الكتاب والسنّة بشأن هذا الموضوع قد شملت ثلاثةَ أنواعٍ مِن الحقوق للمسلم على المسلم، هي: الحقوق التي على القلب، والحقوق التي على اللسان، والحقوق التي على الجوارح الأخرى؛ فمعنى ذلك أن حقوق المسلم على أخيه المسلم قد استغرقت جوارح الإنسان كلها، ومعنى ذلك أيضًا أن حقوق المسلم على المسلم يَجب أن يَتواطأ عليها القلب واللسان وسائر الجوارح!
٣- وأنه ليس في الكتاب والسنّة نصوصٌ ناسخةٌ لهذه النصوص السابقة
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء، للذهبي، تهذيبه: ٧٤٧. ٢ سير أعلام النبلاء، للذهبي، تهذيبه: ٧٤٧.
[ ٢١٣ ]
وما في معناها.
٤- وأنه ليس بِمَلْكِ أَحدٍ مِن الناس أن يَدّعيَ أن له الحقَّ أن يَنْسَخ كلام الله تعالى أو كلام رسوله ﷺ!.
٥- وبهذا يَتبين أن هذه النصوص وهذه الأحكام مُحْكمَةٌ غايةَ الإحكام، وأنها:
* مِن خصائص الإسلام العظام.
* ومِن ثمرات الإيمان بالله تعالى.
* ومِن أهمّ وسائل حِفْظ الدِّين وحِفْظ المجتمَع مِن التصدّع والزوال.
* ومِن أهمّ وسائل حِفْظ الحقوق بين كلٍّ مِن الأخ المسلم وأَخيه، والراعي والرعيّة، والكبير والصغير.
* وأنّ كلّ دعوى أو دعوةٍ تقوم على خلاف هذه الأخلاق التي جاءت بها الآيات والأحاديث، أو على مُعارَضتِها، فهي مرفوضةٌ شرعًا وعقلًا وفِطرةً.
[ ٢١٤ ]