وبعد!
فقد يقول من ليس له في النظافة والذوق همٌّ ولا تفكير ولا مذهب، عند قراءته لهذه الهموم والتوجيهات حول النظافة وأهميتها وأمثالها: هذا تشدُّدٌ، أو هذه وسوسة، أو ما أنزل الله بهذا من سلطان، أو نحو هذا من العبارات التي لا اعتداد بها في حكم الشرع والعقل والذوق، حين توضَع في غير موضعها!.
ولا عجب أن يهجم قليل النظافة والذوق أو عديمهما على ما تنكشف به عيوبه، مِن بيانٍ لهدي الإسلام في هذا الباب!.
ولكن العجب كل العجب أن يَهْجم مثل هذا على النظافة والذوق والأدب باسم الإسلام، يريد أن يتسلح بالإسلام وبوحي الله تعالى، ويريد أن ينصره الإسلام في معركته هذه الفاشلة!! وكان الأَولى به أن يخجل من نفسه، ويستر عيوبه، ويشكر الناصح، ويَعُود إلى هدْي الدين وما فيه سعادته في الدنيا وفي الآخرة!! ولكن لله في خَلْقه شؤون، والناس معادن وعقول وأخلاق مختلفة متفاوتة، فإن عافاك الله تعالى من مثل هذه الداهية فاحمد الله ﷿.
والعاقل يَقْبل النصيحة من حيث أتتْه، ويتقبل الهدى ممن أهداه -في أي موضوع وبأي أسلوب- بل المخاشنة بالنصيحة أحبُّ إليه من
[ ١٧٩ ]
المداهنة على الأقوال القبيحة١".
و"ضرْب الناصح خيرٌ من تحية الشانئ"٢.
و"ظاهرُ العِتاب خيرٌ من مكتوم الحقد، ورُبَّ عتْبٍ أنفع من صفْحٍ٣".
على أني في هذه الأوراق لم أتجاوز الغاية من كتابتها، وهي بيان الحق من الباطل، والخطأ من الصواب في باب الأخلاق، ولم أَسبَّ ولم أَشْتِمْ، لأن ذلك ليس من الخُلق الفاضل في شيء، ولا تستقيم الدعوة إلى الخلق الفاضل بغير الخلق الفاضل، ولكن بعض الأخطاء مجرّدُ ذكْره ينبو على السمع، وحسبُك من شرٍ سَمَاعُهُ"! ولابُدّ مما ليس منه بدٌ لمصلحة النصح والبيان، والله المستعان!.
_________________
(١) ١ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الوزير، الروض الباسم في الذب عن سُنّة أبي القاسم ﷺ:١١. ٢ ابن حبان، مِن قوله، في " روضة العقلاء..": ١٩٥. ٣ ابن حبان، مِن قوله، في "روضة العقلاء..": ١٨١.
[ ١٨٠ ]