منهج البحث
على الرغم من أن الموضوع دعويّ إلا أنني قد راعيت في كتابته منهجًا يتلخص فيما يلي:
١- اعتمدت في اختيار الموضوعات، والكتابة عنها، على الملاحظة والتجربة لقضية الخطأ والصواب في تصرفاتنا، وما أَلْحظه من خطأٍ وصواب ونتائجَ كلٍ منهما في سلوكي وتصرفاتي، وسلوك الآخرين وتصرفاتهم، كل ذلك بعين المراقب الراغب في اكتشاف الخطأ وإصلاحه.
٢- وقد اعتمدت المقياس الشرعي، الذي جاءت به نصوص الكتاب والسنة، مقياسًا للتمييز بين الحسن والقبيح في السلوك والأخلاق، سواء ذكرت النص أم لم أذكره.
٣- أَعْملتُ ما وهبني الله ﷿ من عقل وفطرة في التفريق بين المقبول والمردود وما يقره شرْع الخالق وما لا يقره، وذلك امتثالًا للأوامر الإلهية المفروضة على البَرَيّة، وكذلك خروجًا من عهدة هذه النعم والحجج الربانية على الإنسان بهذا العقل وهذه الفطرة.
٤- حرصت على تسجيل الخواطر والمواقف العقلية والفطرية تجاه السلوك والأخلاق المشاهدة في واقعنا، والشاهدة عليه، مفترِضًا أن تكون تلك المواقف هي ذاتها مواقف غيري من البشر الأسوياء جميعًا حتى أعدادٍ كبيرة من الكافرين؛ لأننا جميعًا خَلْق الله، ولأننا جميعًا بنو آدم ﵇، ولأننا جميعًا قد زودَنا الخالق بالعقل ذاته
[ ٩ ]
والفطرة ذاتها، وإنما انحرف من انحرف منّا بسبب تعطيله لهذه النعم والحجج والوسائل الإلهية، إلى جانب إعراضه عن نداء الله له بكلامه في كتابه القرآن الكريم وعلى لسان رسوله محمد ﷺ، فمن أعرض عن هذين النداءين الكريمين فقد عرّض نفسه للهلاك المحقَّق لا المتوقع، إلا أن يمنّ الله عليه بتوبة وأوبة قبل أن تُبِيره الحَوْبة، وأعني بهذين النداءين: النداء الأول: نداء الله للإنسان من داخل ذاته عبْر فطرته وعبْر عقله، والنداء الثاني: نداء الله له في كتابه، القرآن، وعلى لسان رسوله في حديث رسول الله النبي الخاتم ﵇! فمن رفضها فقد رفضه الله، "وعلى نفسها جنت براقش"!!.
ولعلنا في غنى في هذا المقام عن الرد على الزاعمين أو الداعين إلى تنقُّص العقل والفطرة باسم الدعوة إلى الكتاب والسنة، أو التقليل من شأنهما؛ فيزعمون، بواقع حالهم هذا، التناقضَ بين خَلْق الله وبين أمْره!.
٥- لم أقصد استيعاب الموضوع، ولا أستطيع لو قصدت، وذلك لتشعب مثل هذا الموضوع تشعبَ مختَلَفِ مناحي حياة الإنسان وتنوِّعِ سلوكه وأخلاقه، وإنما تناولتُ منه ما اتسع له وقتي وجهدي الآن، فإن أراد الله فيما بعد استكمال ما يمكن استكماله فهذا ما أرجوه وإلا فالنية يؤجر عليها المؤمن.
٦- اشترطت على نفسي ألا أعتمد في الاستدلال إلا على دليل صحيح من النقل أو العقل.
٧- عزوتُ الآيات إلى المصحف الشريف، واتّبعتُ في ذلك طريقةَ محمد فؤاد عبد الباقي، ﵀، بذكْر رقم الآية أو الآيات أوّلًا، فاسم
[ ١٠ ]
السورة، فرقم السورة١.
٨- خرّجت ما أوردته من الأحاديث تخريجًا مختصرًا لا يعدو العزو إلى مصدرٍ صحيح، وإلا فإلى مصدرٍ لم يشترط الصحة، كالسنن الأربعة مثلًا، ولكن لم أورد من ذلك المصدر إلا ما كان صحيحًا.
٩- إذا كان الحديث في الصحيحين فإنني لم أُلْزم نفسي إلا بإحالته إلى أحدهما، أيًا كان: البخاري أو مسلمًا؛ لأن هذا هو الذي يحقق الغرض من عزو الحديث هنا، وهو بيان أنه صحيح. وعزوت الأحاديث إلى مصادرها بذكر رقم الحديث، ولا سيما إذا كان في الصحيحين.
واعتمدت في العزو إلى صحيح البخاري على طَبَعاتٍ، هي: طبعة دمشق، ط. الرابعة ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م، نشر دار ابن كثير واليمامة، ضبْط وترقيم د. مصطفى ديب البُغا. كما اعتمدتُ على مختَصَر الزبيدي لصحيح البخاريّ، المسمّى "التجريد الصريح للجامع الصحيح"، بيروت، دار النفائس، ط. الخامسة. ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م. بتحقيق: إبراهيم بركة، مراجعة أحمد راتب عرموش، كما رجَعْتُ إلى الصحيح نُسْخة "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، لابن حجر العسقلاني، القاهرة، ط. المكتبة السلفية ومطبعتها، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي. فإذا ذكرت رقم الحديث في صحيح البخاري فالمقصود رقْمه في ط. البُغا، وإلا بيّنتُ الطبعة المقصودة.
واعتمدت في عزو الأحاديث إلى صحيح مسلم ترقيمَ محمد فؤاد عبد الباقي؛ بذكْر الرقم الخاصّ، ثم ذكْر الرقم العامّ بين قوسين.
وإذا عزوت الحديث إلى البخاري نَقلتُ في الغالب رقمه في صحيح
_________________
(١) ١ وهو ما جرى عليه في كتابه "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم".
[ ١١ ]
مسلم معتمِدًا على الرقم الذي ذكره عنه في الحاشية محقِّقُ صحيح البخاري في طبعة دمشق، وهو مصطفى البُغا.
١٠- وقد كانت الوجهة منذ البداية ألاّ يكون الموضوع تكرارًا لما كتبه الآخرون، ومِن ثم لم يأت الموضوع نقولًا، وإنما في الغالب تأملًا وتدبرًا وتجربةً، إلا مَوْطنين طال فيهما النقل، هما:
الأول: ما رأيت تلخيصه من موضوعاتٍ اعتمدتُ فيها على مؤلف سابقٍ أجاد في بيانها، كالذي نقلته في الفصل الأول، مدخلِ التعريف ببعض المعاني عن الأخلاق، فاختصرتُ جلّه عن عبد الرحمن حبنكة في كتابه: الأخلاق الإسلامية وأسسها.
الثاني: بعض ما رأيته من عباراتٍ بليغة وآراء سديدة في التعبير عن بعض المعاني الأخلاقية؛ كالذي رأيته مِن هذا عند ابن حزم في كتابه الأخلاق والسير في مداواة النفوس؛ فنقلتُه عنه بنصه على طوله في الفصل الخامس، المبحث الرابع؛ لِما رأيته فيه مِن تميّز في بابه وفق عناوين وضعتها، بعد تصحيح ما فيه من أخطاء مطبعية ونحوها.
وما عدا هذين الموطنين فالشأن فيه كما ذكرتُ١.
_________________
(١) ١ ثمّ لعلني قد خرجتُ عن هذا في بعض المواضع القليلة، فيما بعد، عند مُراجَعاتي المستمرّة للكتاب للإضافة والتعديل، ولكن، وَفق انتقاءٍ راغبٍ عن كثرةِ المنقول عن الآخرين إلا عن حاجةٍ واضحةٍ.
[ ١٢ ]